إستقلالية القضاء "تحت البند السابع"!

22/02/2021 03:10PM

المقالات المُذيّلة بأسماء كاتبيها تُعبّر عن آرائهم الخاصّة، وليس بالضرورة عن رأي موقع "السياسة"

كتبت سليمى عبدالله الراسي في "السياسة":


إندلعت ثورة  17 تشرين 2019 على عدّة صرخات أهمها: إستقلالية القضاء...

إن هذا المطلب لم يلد من نزوة شعبية هوَت النزول الى الشارع وشل البلد وتعطيل العمل، بل ولد من معاناة شعب بكافة أطيافه ومستوياته الشعبية والإجتماعية والثقافية، ولم ترحم أي مواطن، حتى أن الفاسد بات يعاني منها وهي تدوم منذ ولادة لبنان الدولة.

معاناة بسبب تقاعس القضاء عن تحمَّل مسؤوليّاته كافة، والأهم من ذلك: المحاسبة والتي بسبب إنعدامها أصبح الفساد مباحاً، بل شطارةً، وفرصة يجب الإستفادة منها.

وبسبب هذا التقاعس ولدت مجموعة "مافياوية" ووأرخت ذراعها لتشلّش في أنحاء الدولة كافة، من أعلى المناصب حتى أقلها مسؤوليَّة، وأصبح الفساد شيئًا من يوميات الشعب اللبناني، حتى أنه وإن حصلت اعجوبة وقرر القضاء تفعيل عمله فقد يصعب عليه تحديد من أين يبدأ بالعمل.

مطلب الإستقلالية القضائيّة أصبح شائعاً ومتداولاً بالاعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعيّ كافة وكأنه حلم من الصعب تحقيقه أو كمن يتكلَّم عن إلغاء الطائفيَّة في لبنان.

التدخل الوقح للسياسيين في القرارات، وحالياً في كل القرارات القضائيّة هو السبب وراء إهتراء النظام القضائي، حيث تململ القضاة الشرفاء والصالحين من هذا الوضع ورفضوا الخضوع الى هذا المنهج المُتسلط فشُكلوا في مناصب هادرة لطاقاتهم وعطائهم، أما القضاة المستفيدين منه أو المتسترين تحته فهم الآن في أهم مراكز السلطة والقرار. 

وأصبح القضاء كسول مُنقسم تتآكل داخله المصالح والمنافسة على المناصب الأكثر تأثيراً وإن تعرَّض قاضِ للمس في كرامته أو قيمته فلا ينتفض أي من زملائه للدفاع عنه بل يتآملون رياءً الى مأساته، وهكذا سقطت هيبة القضاء... وأصبح حلم كل قاضِ أن يُعيَّتن في مناصب إداريّة هرباً من السلك القضائي والمستوى الذي وصل اليه.

وهنا يخسر السلك القضائي طاقة هدر مال عام وخبرة ووقت لتعليمها وتدريبها ... 

وكيف نلوم السياسيين على تدخّلهم السافر هذا عندما يكون القانون هو من أعطاهم هذه السلطة، فتدخُّلهم هو بقوَّة القانون...

إذ وبالعودة الى قانون تنظيم القضاء العدلي اللبناني والذي هو ينظِّم السلطة القضائيّة وعمل المحاكم وواجبات القضاة، يظهر أن موضوع فصل السلطات هو مبدأ نتباهى به على الورق ولكن بالتطبيق الحقيقي فالوضع مخالف تماماً  

الحقيقة أن السلطة السياسيّة هي جزأ لا يتجزّأ من السلطة القضائيّة، فالقضاة يعيّنون بموجب مرسوم، ويُشكَّلون على المحاكم بموجب قرار صادر عن مجلس الوزراء، ويعيَّن أعضاء مجلس القضاء الأعلى بموجب مرسوم صادر عن مجلس الوزراء، وبناءً لإقتراح وزير العدل، ويتدخَّل وزير العدل بإتّخاذ القرارات الإداريّة داخل مجلس القضاء الأعلى ويعود له القرار النهائي في التنظيم القضائيّ، والنيابات العامة في لبنان تخضع لسلطته... وهذه أمثلة موجزة عن المواد المتشابهة الواردة في هذا القانون، والتي تولي السلطة السياسيّة سلطة تامة على السلطة القضائيَّة.

فلا عجب أن يكون التدخُّل السياسي قد هيمن على هذه المؤسَّسة وهمَّشها إسوةً بكافة المؤسَّسات اللبنانية، 

ولا عجب أن ينام في "جوارير" مجلس النواب اللبناني ثلاث مشاريع قوانين لتعديل المواد التي تولي السلطة السياسيّة قوّة التحكم بالتعيينات والتشكيلات القضائيّة والتنظيم الإداري داخل السلطة القضائيّة، والذي يرفع يد السلطة السياسية عن النيابات العامة ويوليها الى القضاء وحده.

لن يتحقَّق مطلب الإستقلال القضائي إلا تحت الضغط ليصار الى تعديل قانون تنظيم القضاء العدلي، وبما أننا تعوّدنا على أن القرارات المصيريّة تُفرض من الخارج كافة، وقد أصبح ذلك من مسلّمات العمل السياسي اللبناني، فالمجتمع الدولي قد فرض على لبنان إجراء بعض التعديلات في القوانين اللبنانية من ضمن خطّة الإجراءات الإصلاحية، ولا سيما تلك التي فرضتها إتّفاقيّة سيدر.

فقد عدّلت السلطات اللبنانية قانون التجارة اللبناني بناءً لطلب "سيدر" كما أقرَّت قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص، والقانون لحماية البيانات، وقانون المعاملات الإلكترونيّة، وذلك تحت الضغط والتهديد بعدم إعطائها أموال "سيدر" في حال لم تلتزم بإقرار هذه التشريعات.

ونظراً لهذه السوابق، ونظراً لكون هذه المنظومة الحاكمة لن ترخي ذراعيها عن السُلطة القضائيّة إلا بقوَّة الضغط، وبما أنه ثبت أن الضغط الخارجي هو وحده الذي يمكن أن ينجح في فرض الإصلاحات. 

فبدلاً من الإستعانة بالمجتمع الخارجي بمحاولة بائسة لإلغاء بعضنا بعضاً والتي أثبتت فشلها على مدى سنوات طويلة، لنوحِّد جهودنا ونحمل المجتمع الدولي الى فرض تعديل قانون تنظيم القضاء العدلي حتى لو كان هذا الضغط ثمنه فرض العقوبات على الدولة اللبنانية أو منع التقديمات الموعودة عنها لأن هذا هو الحل الوحيد لحماية قضائنا، وتحصِّينه من فساد القوة الحاكمة كي يتمكّن من العودة الى العمل وتنفيذ واجباته والأهم منها المحاسبة ومن بعدها نتمكَّن من بناء وطن قضاؤه مُحصَّن وأمنه ممسوك والوظيفة العامة فيه مسؤوليَّة. 

لأنه من دون قضاء مُستقّل مُحصَّن من أي ضغط خارجي لن نتمكن حتى آلاف السنين من بناء الدولة الجامعة التي يطمح إليها كل مواطن.


شارك هذا الخبر

أهم الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك