تجارة "الشيك المصرفي" عززت سوق العقارات: كسب للمطورين وخسارة مضاعفة للشارين

10/06/2021 02:08PM

المقالات المُذيّلة بأسماء كاتبيها تُعبّر عن آرائهم الخاصّة، وليس بالضرورة عن رأي موقع "السياسة"

كتبت جاكلين بولس أبو زيد في "السياسة": 

منذ ثورة السابع عشر من تشرين العام 2019 والواقع المالي والاقتصادي انحداري بشكل مخيف وسط التخبّط الذي يطبع عمل السلطة السياسية على كل المستويات. ومع الخوف على الودائع التي بات مصيرها مجهولًا يتراوح بين الهيركات والسجن حتى إشعار آخر يخرج معه الدخان الحكومي الأبيض لقيادة مفاوضات مثمرة مع صندوق النقد الدولي بهدف الخروج بخطة إنقاذ من الكارثة الحاصلة.

كثر من اللبنانيين عمدوا إلى شراء عقارات لا يحتاجونها، فقط لإنقاذ ودائعهم، ومع استمرار الأزمة وارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء وعدم قدرة مصرف لبنان على لجمه على الرغم من كل المحاولات، تدنّت أسعار الشقق التي شكّلت الملاذ لعدد كبير من اللبنانيين، فتكبّدوا خسائر واضحة وصريحة. هل يمكن أن تستعيد هذه الشقق قيمتها الشرائية السابقة؟ وما هي الخسائر التي تكبّدها أصحابها؟

الحكيّم: سوق العقارات نحو مزيدٍ من الانهيارات

أسعار الشقق ستواصل المنحى الإنحداري إلى حدود غير مسبوقة، كأن يصل سعر الشقّة إلى عشرين ألف دولار أو أقل، يقول الخبير المالي الدكتور جهاد الحكيّم لموقع السياسية وذلك بسبب عوامل مختلفة يتقدّمها  تراجع قيمة الرواتب، والنسبة التي يمكن أن يُنفق منها على السكن وهي عادة لا تزيد عن 28% من الراتب الإجمالي، فإذا كان  متوسط الرواتب يبلغ حوالي أربعة ملايين ليرة شهرّيًا ، يحتاج الفرد إلى أربع وخمسين سنة لشراء شقّة بخمسين ألف دولار، أو أن ينخفض ثمن هذه الشقّة إلى عشرين ألف دولار، ليسدد الشاري ثمنها بغضون واحد وعشرين عامًا. ويسأل الحكيّم كيف يمكن أن يحصل ذلك مع توقف كلّ أشكال القروض، وبُعد الرواتب عن هذه الأرقام، وحاجة المواطن لإنفاق مدخوله بالكامل على الطعام والدواء وفروقات الضمان والتأمين في المستشفيات ونفقات التعليم، وخسارة عدد من اللبنانيين لوظائفهم أو تقاضي نصف راتب؟

وعلى الرغم من ارتفاع كلفة العمار بسبب الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار، يقول المعطى الاقتصادي بحسب الحكيّم إن السلعة لا تُسعَّر بحسب كلفتها، بل بحسب قدرة الشاري، وما ينطبق على الأسواق المالية والسلع، ينسحب على العقار الذي يخضع لشروط السوق من عرض وطلب.  يُضاف إلى ذلك تراجع العوامل الخارجية المحرّكة للطلب بشكل كبير، ومنها الطلب الخليجي، والمغترب اللبناني الذي احتُجزت أمواله في المصارف، من دون إغفال الازمات القائمة من تراجع مستوى الخدمات الصحية والتعليمية وشح البنزين وفقدان الدواء والتهديد بانقطاع الكهرباء بشكل تام، والتي تعكس غياب البيئة الحاضنة للاستثمار. 

وسط هذا الواقع المرّ وجد المودع نفسه عالقًا بين مصارف لا تفرج عن مدّخراته ومقاولين يعرضون عليه بيعه شققًا بشيك مصرفي أو مواطنين يملكون الفريش دولار وجاهزين لشراء الشيك بأقل من قيمته والبداية كانت مع نسبة عشرة في المئة ثم أخذت في الارتفاع إلى أن بلغت حاليًا 77%، ففضل شراء الشقة ظنًّا منه أنه يحمي ودائعه وجنى عمره ولا بدّ أن يعيد بيع الشقة لاحقًا محققًا بعض الأرباح ربما.

لكنه بحسب الخبراء الماليين قد أخطأ في خياره وتكبّد خسارتين، لأنّ أفضل طريقة للتحوّط في حينه كانت القناعة، وهنا يقول الحكيّم: لو اقتنع المودعون بخسارة 25% من ودائعهم وسحبوها مع بداية الأزمة ولم يلجأوا إلى شراء العقارات، لكانوا ربحوا مرّتين فالشيك المصرفي بقيمة المليون دولار كان يمكن تحصيله بتسعمئة ألف وهذا المبلغ كفيل بشراء أربع شقق أو أكثر اليوم، إذًا سوق العقارات خسرت بين 65 و75% من قيمتها لأن العرض كثير والطلب معدوم راهنًا.  

وبشكل مبسّط أكثر، فإن من اشترى شقة في آذار من العام 2020 بموجب شيك مصرفي بقيمة أربعمئة ألف دولار، باتت قيمة هذا الشيك اليوم إثنين وتسعين ألف دولار نقدًا، من هنا يمكن حساب الخسارة الكبيرة التي تكبّدها، متوقّعًا أن تتراجع أسعار العقارات أكثر وحاليًا يتركّز الأمر على معرفة ما إذا كانت الخسارة أربعة أضعاف أو ستة، مكررًا القول إننا سنبلغ مرحلة يصبح فيها العقار مقابل التعليم والدواء والغذاء.

قزي: لاستخدام اللولار فقط في شراء العقار

الخبير المالي دان قزي يدعو من لديه "لولار" في المصرف فقط للاستثمار في العقارات، ويرى أن الأسعار ستنهار أكثر بسبب عدم وجود طلب عليها، لأن الشباب اللبناني الذي يشتري العقارات في الغالب، يسعى راهنًا إلى بيع كل ما يملك ليهاجر بسبب الأوضاع السيئة التي تسيطر على المشهد وهي مرشّحة لأن تطول بسبب غياب أي نية للإصلاح ولتشكيل حكومة تمسك بزمام الأمور، أما من ترك مدخراته في المصرف على أمل أن يستعيدها يومًا ما، فهو كالذي انتظر الكهرباء لتتحسن في التسعينيات. 

وأضاف قزي في حديث إلى موقع السياسة أن المستفيد الوحيد من لعبة بيع العقارات بشيك مصرفي هو المطور العقاري لأنه بذلك قد سدد ديونه المستحقة للمصارف وخرج نظيفًا في كل هذه المعمعة.

خضوع للعبة العرض والطلب

كثيرة هي المؤسسات التي تتعاطى بيع العقارات وقليلة تلك التي تبيع وتشتري ولعلّ الأولى أكثر واقعية من الثانية، ففي حين تجنّبت مؤسسة صقر الشهيرة بالبيع والشراء وانتظار الاستحقاق عن صاحب الرصيد المجمّد في المصرف، الإجابة على سؤالاتنا متذرّعة بالبيروقراطية وبضرورة الحصول على إذن من صاحب الشركة، لكنها رفضت مقولة إن أسعار العقار قد تراجعت أو انهارت كما يقول الخبراء الماليون، تقول سمر من شركة "تراست بروبرتيز" : في الفترة الأولى من عمر الأزمة كان  الطلب كبيرًا على شراء الشقق والعقارات ولكن من خلال الشيك المصرفي وكانت النسبة تبلغ حدود الـ 90%، أما حاليًا فبات العرض "بالكاش دولار" مع تراجع بسيط بالأسعار ذلك لأن سعر صرف الدولار متقلّب.

وتؤكد سمر أن الطلب على الشقق جيّد جدًا لا سيما من اللبنانيين المقيمين في الخارج، ملاحظة غياب الطلب العربي على الاستملاك في لبنان، وأضافت أن قلائل يقبلون بالشيك المصرفي في عمليات البيع وبعضهم يلجأ إلى تجزئة السعر بين 70% نقدًا و30% من خلال الشيك.  

إذًا.. قد يكون بعض من استبدل مدّخراتهم بالعقار مرتاحًا نفسيًا ويقنع نفسه بعدم الخسارة، لأن الأزمة ستنتهي يومًا ويستعيد العقار قيمته الشرائية فيكون بذلك قد حفظ تعبه من الهيركات أو الضياع الكامل، في مقابل من يقرّ بالخسارة وبالخيار الخاطئ ويرى أنه بات من دون أيّ سيولة تيسّر الشؤون اليومية لعائلته في ظلّ الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار ما ينعكس على كل المفاصل المعيشية من تعليم وطبابة ومحروقات وسكن ومواد غذائية أو تشتري له تذكرة سفر ليهاجر بحثًا عن وطن بديل يؤمن له العيش بكرامة.


المصدر : السياسة

شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك