في لبنان البنزين ينافس «الطيونة»... وتحقيق المرفأ على الصدارة

21/10/2021 07:22AM

جاء في "الراي":

على طريقة الحدَث الذي يحجب وهجَ حدَثٍ، تتزاحم الوقائع اللاهبة في بلدٍ يصارع ليخرج من «فم» الثقب الأسود الذي «ابتلعه» على وقع الانهيار الشامل الذي يتدحرج في لبنان منذ نحو 17 شهراً.

وبعدما شاحت الأنظارُ في الأيام الأخيرة عن مسار «العاصفة الكاملة» مالياً واقتصادياً ونقدياً ومعيشياً، وذلك بفعل المواجهات اللاهبة سياسياً على تخوم ملف التحقيق في انفجار مرفأ بيروت ثم «موْقعة الطيونة» الدموية، وهما التطوران، اللذان بديا بمثابة «حزام ناسف» زُنّرت به «حكومة معاً للإنقاذ»، عادت «العدسةُ» إلى العنوان - الأمّ في ظلّ استعادة الارتطام المميت وتيرته المتسارعة التي سبقت كل الرهانات على أن تنجح التشكيلة التي يترأسها الرئيس نجيب ميقاتي في فرْملته بانتظار إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي أو بالحد الأدنى التفاهم على «بروتوكول التفاوض» وإيصال البلاد إلى برّ الانتخابات النيابية بعد 5 أشهر.

وإذا كان مسلّماً به أن «الشحن» السياسي كما «التحريك الأمني» للصفائح الساخنة يجري على «مسرح عمليات» انتخابي يشكله استحقاق 27 مارس 2021، «شحْذاً للسكاكين» سواء لشدّ العَصَب وتحسين «التمركز» بوجه الخصوم أو لـ «نحْر» الانتخابات في «الوقت المناسب»، فإنّ «كرة النار» الاجتماعية لن تتأخّر في الدخول على هذا المسرح كعنصرٍ قد يتحوّل «حمّال أجندات» ويضيف صاعقاً إلى «برميل البارود» الذي بات الواقع اللبناني يترنّح فوقه.

وأمس، بدا أن لا صوت يعلو فوق صوت الارتفاع «الحارق» والجنوني في سعر المحروقات، حيث قفز سعر صفيحة البنزين في أسبوع واحد بما بين 60 و 62 ألف ليرة بحيث أصبح السعر 302700 ليرة (بنزين 95 أوكتان) و312700 ليرة (98 اوكتان) ولم يعُد الحد الأدنى للأجور يكفي لأكثر من صفيحتيْ وقود، في موازاة زيادة مضطردة في سعر قارورة الغاز التي لامست 230 ألف ليرة وتناطح الـ 280 ألفاً في الأسبوعين المقبليْن، والتي لا يخلو منها منزل وتُعتبر مع المازوت «عُدة التصدي» الأساسية لبرد الشتاء في الساحل والجبال، خصوصاً في ظل أزمة الكهرباء واضطرار غالبية المواطنين لخفض أمبيرات اشتراكاتهم في مولدات الأحياء بعدما صارت فواتيرها «للأغنياء فقط».

وعلى وقع تبرير «تحليق» أسعار المحروقات بأن وزارة الطاقة اعتمدت سعر دولار 20 ألف ليرة (يوازي سعر السوق الموازية) بعدما كانت سعّرت الأسبوع الماضي وفق دولار 16 ألفاً، إلى جانب ارتفاع سعر برميل النفط عالمياً، ومحاولة الوزارة «نفض يدها» بإعلان أنّها «ليست الجهة المتحكّمة بالأسعار بل هناك عوامل عدّة تؤثّر بشكل مباشر على تركيبة الجدول»، كان الشارع يشتعل غضباً عارماً انفجر على شكل عمليات قطع طرق واسعة في مناطق عدة بينها بيروت، التي شهدت أيضاً قفل طرق رئيسية تربط العاصمة بالشمال حيث كانت طرابلس تعيش مناخات توتر بعد تَجَمُّع أمام قصر الرئيس نجيب ميقاتي وسط دعوات للتظاهر.

وجاء دخان الاحتجاجات على ارتفاع أسعار الوقود، والذي سيترك تداعيات مباشرة ومتعددة الطبقة على أسعار مختلف السلع والخدمات، فيما كانت محاولات تبريد الأرض السياسية مستمرة لضمان استئناف مجلس الوزراء جلساته التي كانت عُلِّقت قبل 10 أيام على خلفية إصرار «حزب الله» وشريكه في الثنائية الشيعية الرئيس نبيه بري على إقصاء المحقق العدلي في انفجار المرفأ القاضي طارق بيطار بـ«فتوى» تضع الحكومة إطارها، وهو التطور الذي جاء بمثابة قوة دفْع كبيرة إلى الوراء لتشكيلةٍ لم يتلمّس بعد وزراؤها طريقهم الفعلي إلى ملفاتهم الشائكة ولا أتيح لهم عرض خططهم.

والأسوأ وفق أوساط سياسية أن هذه القفزة إلى الخلف لحكومةٍ لم تقُم بعد بأي خطوة تشي بـ «أنا هنا»، أتت تحت أنظار موفدين لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي يستكشفون أين وصلت استعدادات بيروت وترتيب أوراقها تمهيداً لبدء التفاوض من الـimf الذي يؤمل أن ينطلق بحلول نهاية السنة، ويحضّون على إقامة شبكة أمان اجتماعي تلاقي إجراءات «متوحّشة» تتعمّدها السلطات اللبنانية في معالجة الانهيار والفجوة المالية (بما بين 100 و 120 مليار دولار) وباتت بإزائها أي شروط لصندوق النقد أكثر «رحمة» ورأفة بشعبٍ صار فريسة البؤس والجوع.

وفي موازاة هذا الحِراك، انشغلت بيروت بتطورين «ذي صلة»:

• الأول تبلًّغ رئيس الجمهورية ميشال عون مباشرةَ شركة «ألفاريز أند مارسال» بالتدقيق المالي الجنائي في حسابات مصرف لبنان المالية بدءاً من صباح اليوم بعد إنجاز كل الترتيبات المتعلقة بذلك.

• والثاني: تصريح لوزير الاقتصاد أمين سلام (لقناة «العربية»)، أعلن فيه«أن الحكومة ستعمل على ضبط تفلّت الدولار واستقراره على سعر 12 ألف ليرة في الأشهر المقبلة، وهو ما اضطر بإزائه سلام لتأكيد(حصل التباس في ما ذكرتُ، فالعمل على خفض سعر الصرف إلى 12 ألف ليرة تقدير شخصي، مبني على معطيات تعمل عليها الحكومة مع المجتمع الدولي وصندوق النقد والبنك الدولي ومع كل الجهات المعنية لمساعدتنا على إعادة تحريك الوضع الاقتصادي بما يتيح خفض سعر الصرف إلى ما بين 10 إلى 12 ألف ليرة، وتالياً ما ذكرته عن سعر الـ12 ألفاً رهن ورشة عمل مكثفة)».

هل تحدّث لبنان بـ«لسان واحد»مع هوكشتاين؟

وعلى وهج كل هذه العناوين، انشغلت بيروت بزيارة كبير مستشاري وزارة الخارجية الأميركية لأمن الطاقة الوسيط الجديد في عملية التفاوض غير المباشر في شأن ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل أموس هوكشتاين، في مهمة بدت في سياق استطلاع آفاق هذا الملف والتوجهات المقبلة للبنان خصوصاً بعدما كانت المفاوضات توقّفت قبل نحو 6 أشهر بفعل«حرب الخرائط والخطوط»التي انخرطت فيها بيروت معتمدة خطاً جديداً مفاجئاً كنقطة انطلاق للتفاوض هو 29 (غير موثّق لدى الأمم لمتحدة) بما يوسِّع الرقعةَ المتنازَع عليها من 860 كيلومتراً مربعاً وفق ما كان أقره الخط 23 الذي اعترف به لبنان ووثّقه لدى المنظمة الدولية إلى 2290 كيلومتراً يدخل في نطاقها قسم من حقل«كاريش».

وتحوّل الخط 29 في الفترة الماضية عنوان اشتباك سياسياً داخلياً، متعدد الجبهة، وسط تلميحاتٍ لأن تعليق رئيس الجمهورية توقيع مرسوم توسيع الحدود البحرية وفق هذا الخط يرتبط بمحاولات«ربْطٍ»مع واشنطن ذات صلة بملف العقوبات على رئيس«التيار الوطني الحر»جبران باسيل، وهو ما جعل قضية التفاوض ومرتكزاتها مشكلة لبنانية قبل أن تكون مع اسرائيل.

وبين هذه الحساسيات أجرى هوكشتاين محادثات مع كل من عون وميقاتي وبري ووزيريْ الخارجية والطاقة وقيادة الجيش اللبناني، هو الذي خَبَر هذا الملف الذي كان مسؤولاً عنه العام 2016 في إدارة الرئيس باراك أوباما، وهو كان روّج لنظرية توحيد الشركات في عملية البحث والتنقيب عن الغاز وتَقاسُم الدول المعنية أرباح بيعه، وقد جُبهت هذه النظرية حينها برفض لبناني يتعلق بمبدأ السيادة على الأراضي اللبنانية بحراً وبراً وجواً.

وعُلم أن الوسيط الجديد، الذي قد يستعيض عن التفاوض غير المباشر أقله في المرحلة الأولى بزيارات مكوكية بين بيروت وتل أبيب لمحاولة تدوير الزوايا، والذي سبق وصوله تأكيد خارجية بلاده«استعداد ‏إدارة (الرئيس الأميركي جو) بايدن لمساعدة لبنان وإسرائيل على إيجاد حل مقبول للطرفين ‏في شأن حدودهما البحرية المشتركة من أجل مصلحة الشعبين»، أثار خلال محادثاته مسألة استجرار لبنان الغاز المصري والكهرباء الأردنية عبر سورية والتي سبق لواشنطن أن وفّرت لها غطاء عبر إحاطتها باستثناء لبيروت من موجبات قانون«قيصر».

وكان لافتاً أن بري أشار أمام الوسيط الأميركي إلى أننا«أمام فرصة جديدة لاستئناف المفاوضات في الناقورة، وهناك أهمية لاستثناء لبنان من ضوابط قانون قيصر في موضوعيْ استجرار الغاز المصري والكهرباء من الأردن».


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك