التحرش في العالم العربي... كيف تتحول النساء إلى مذنبات؟

09/12/2021 07:43AM

في الآونة الأخيرة كثرت التقارير الإعلامية والقضايا المتداولة حول وقوع حالات تحرش في مراكز تعليمية، ما يدعو للتساؤل حول أسباب وقوع مثل هذه الحوادث والحلول لمجابهتها.  

ففي المغرب، برزت خلال الأيام الماضية، قضية "الجنس مقابل النقاط" اتهم بها أساتذة جامعيون بدفع طالبات على ممارسة الجنس مقابل الحصول على علامات، أما في لبنان فوجد أستاذ في مدرسة ثانوية نفسه متهما من طالبات بالتحرش بهن بعد تداول منشور عبر فيسبوك.

"عقلية متجذرة في المجتمعات العربية" 

"العقلية الذكورية هي السبب.. عقلية الهيمنة والسيطرة والقدرة على الإفلات من العقاب"، وفقا لما تقوله عضو المجلس الوطني الفلسطيني، وعضو الأمانة العامة للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، ريما نزال. 

وتضيف نزال في حوار مع موقع الحرة أن "أكثر حالات التحرش تأتي من أشخاص في موقع مسؤولية على الفتيات اللواتي يتعرضن لهذه الجريمة، سواء كان ذلك في أماكن العمل أو في مرتبة أعلى من مرتبة النساء، حيث يستغلون مواقعهم لهذه الممارسات".

وترى أن هذه العقلية ذاتها تنطبق على مواقع القوة أو مواقع السيطرة التي يمكن فيه إلحاق الأذى أو منح الميزات".  

وتؤكد الناشطة النسوية التونسية، مريم الدغيري، أن "مراكز السلطة، التي تتركز في الغالب بين أيدي الرجال، تؤدي إلى التسلط على النساء وأجسادهن، وبالتالي فهناك حاجز بلوري يقف أمام النساء للوصول إلى مواقع السلطة ومواقع القرار، سواء في السياسة أو الإدارات العليا أو في المواقع الحكومية وفي بعض الجامعات كذلك". 

وتشير نزال إلى أن "المسؤولين، وبالأخص في القطاع الخاص، قد تتاح أمامهم الفرصة للتحكم ببقاء الضحية في وظيفتها أو التلاعب براتبها". 

وتقول أيضا إن "الضحايا قد يتعرضن للاستغلال في القطاع الحكومي "من خلال التحكم بالترقية أو منعها من استلام مهام ضرورية، وبالتالي تكون في موقع ابتزاز، قد يدعوها للتنازل أو الصمت".

من جهتها، تقول الناشطة الحقوقية العراقية، منار الزبيدي، إنه "لا يمكن قياس التحرش بالعقلية الذكورية الموجودة في مركز القرار"، موضحة أن "هناك بعض الرجال قد يكونون متطرفين في العنصرية الذكورية، وقد يميزون في المعاملة بين النساء والرجال، قد يفرطون باستخدام سلطتهم وقد يفرقون بين أداء المهام أو في الأجور أو بالدعم المعنوي". 

وتضيف الزبيدي "لكن أن تستخدم هذه السلطة لممارسة أعمال لا أخلاقية مثل التحرش، هذا يقاس بأخلاق الشخص الموجود (بالمنصب) وشذوذه". 

وتقول إن "حصول البعض على مواقع السلطة والنفوذ والخروج عن دائرة العقاب، قد يصيبهم بالغرور، رغم أنه موضوع نسبي، لكن من الممكن لهذا الشخص الذي يملك سلوكيات شاذة، أو لديه انحراف بالسلوك أساسا، أن يتحرش بموظفاته أو طالباته، ما قد يولد لديه إحساسا داخليا بأنه محصن، لأنه صاحب المنصب والسلطة وبالتالي يملك الحصانة لفعل أي شيء". 

"الضحية المذنبة" 

في العديد من الحالات تفضل الضحايا الصمت على الإبلاغ عن حالات التحرش، خوفا من اللوم أو المحاسبة بأشكالها، ففي معظم الحالات يلقى اللوم على ضحية التحرش بدلا من محاسبة الجاني، وفقا لما تراه ناشطات. 

وترى الدغيري في حديث مع موقع "الحرة" أن القضايا التي تواجه التحرش وتبعاته تعود إلى "منطق ذكوري بحت، فالمجتمعات التي نعيش فيها هي مجتمعات ذكورية بحتة، يبقى فيها صوت الرجل هو المسموع، وصوت المرأة خافتا يمكن المساس به بسهولة، لأنها في وضع هشاشة أصلا". 

وتشير الزبيدي إلى أن المرأة هي الملامة في القضايا التي تتعلق بالتحرش، وأن التعليقات المرافقة لأي منشورات خاصة بالتحرش تضمن عبارات مثل "أكيد ملابسها خادشة للحياء"، "أكيد هي كانت تقوم بحركات أو إيماءات شجعت المتحرش". 

وتشاركها في الرأي نزال، مضيفة أن "موضوع العمل بالنسبة للمرأة لا ينظر إليه على أنه أمر ضروري، رغم أن النظرة اختلفت بعض الشيء بالأخص مع الأوضاع الاقتصادية السيئة، إلا أن التفكير بموضوع الإعالة، هو موضوع يخص الذكور". 

بالتالي فإن تعرضت المرأة للتحرش في موقع العمل أو الدراسة، وفق نزال، يدعو المجتمع إلى أن يقول إنها "عرضت نفسها لذلك". 

وتضيف الزبيدي أن ضحايا التحرش في العراق، سواء في الأماكن العامة أو مواقع العمل أو الدراسة، يخفن من الإبلاغ عن التحرش بحقهن، خوفا من العواقب المترتبة عليهن وليس على المتحرش. 

وتقول الزبيدي: "مثلا إن أبلغت فتاة عن تعرضها للتحرش في سيارة تكسي، ستمنع عن الذهاب إلى العمل أو ركوب سيارات الأجرة". 

وتؤكد الناشطة العراقية "هم لا يعالجون القضية نفسها بمعالجة المتحرش نفسه بتقديم شكاوى قانونية، بل باتخاذ إجراءات تعسفية ضد المرأة الضحية، فإذا تعرضت للتحرش في مكان العمل ستمنع من الذهاب إليه، كي لا تتعرض لهذا الموقف مجددا وهذا ما يدفع بعض الضحايا إلى إخفاء تعرضهن للتحرش". 

مفهوم التحرش والتربية الجنسية

تشير الزبيدي إلى أن مفهوم التحرش "لا يقتصر فقط على مسك اليد أو الاعتداء الجنسي، بل قد يكون التحرش بنظرة إلى جسدها أو إيماءات أو كلمات قد يستخدمها المرؤوس مع موظفته أو الأستاذ الجامعي مع طالباتها قد تعتبر تحرشا".

وتضيف الزبيدي أن مفهوم التحرش في مجتمعنا يقتصر على الملامسة الجسدية، في حين لا تعتبر الأمور الأخرى تحرشا.  

تقول نزال، في حال التحرش اللفظي مثلا وتبريره بـ "المغازلة": "لا توجد أداة قياس معينة"، وتضيف "هو أمر تحدده فقط الضحية، هي فقط يمكنها أن تقدر إن كان تصرفا ما يأتي بشكل تحرش أو كان فحسب من قابل اللطف.  

وتؤكد الزبيدي أنه "يجب أن نعلم الفتيات والنساء بمفهوم التحرش، وهذا أمر مهم جدا حتى تدرك أنها ضحية، ولتحديد التحرش منذ بداياته، حيث قد يبدأ بنظرة أو بكلمة، وهو ما قد نطلق عليه عوامل الإنذار المبكر، مؤشرات تدعوني لتجنب هذا الشخص، مؤشرات تدل أنه قد يتمادى". 

أما الدغيري، فترى أنه يجب وضع أولوية في التربية الجنسية بالمدارس، وتعليم الأطفال بمفاهيمها بمراحل مبكرة، "سواء للأولاد أو للفتيات"، مشيرة إلى أن الأولاد بحاجة إلى معرفة التصرفات اللائقة وكيفية التعامل مع الإناث من جهة، ومن جهة أخرى يجدر تعليم الفتيات ما يعنيه مصطلح "جسدي ملكي"، وأنه لا يحق لأحد أن يتعدى عليه بأي شكل كان.

اللوائح الداخلية والقوانين 

رغم وجود قوانين رادعة في بعض الدول، قد تمنع وقوع التحرش، إلا أن الناشطات يؤكدن أنها تحتاج للحصول على دعم إضافي، من خلال تدريب المسؤولين على عمليات الإبلاغ عن قضايا التحرش أو تعديل القوانين أو تطبيق الأخيرة فعليا على أرض الواقع. 

تقول الدغيري إن "قانون 2004 الذي جرم التحرش الجنسي في تونس، هناك عائق كبير أمام الإبلاغ، فإن لم تتمكن المدعية من إثبات تعرضها للتحرش فإنها تدعى بـ 'كاذبة' وقد تتعرض نفسها للمساءلة القانونية". 

وتؤكد الناشطة التونسية أن التحرش بالذات، يعد جريمة يصعب إثباتها، "فهي ليست كالاغتصاب، حيث يمكن الحصول على أدلة طبية لتأكيده، وفي العادة يطلب من ضحايا التحرش الجنسي توثيق ما مررن به بتسجيل صوتي أو مقطع فيديو، وهو أمر قد يعتبر مستحيلا في معظم الأحيان، لأن الظروف التي تمر بها الضحية لن تسمح لها بتسجيل ما يحصل معها". 

وترى أن انعدام تدريب عناصر القوات الأمنية والقضاة في التعامل مع قضايا التحرش يؤدي إلى أن تصبح "الضحية ضحيتين، لتجد نفسها في مرمى أصابع الاتهام في نهاية المطاف، هذه مشكلة التحرش". 

من جهتها، تشدد نزال على ضرورة أن تتوفر "التوعية في المجتمع وأماكن العمل وضرورة توفر لوائح داخلية وقوانين حول هذا الموضوع لتشكيل ردع مسبق، وسائل داخل المؤسسات والجامعات، لمنح تعريف واضح"، مؤكدة أن تلك اللوائح يجب "أن تشجع الضحايا على رفع صوتهن وتصرح بالموضوع، فأكثر ما يفيد هو أن تقوم الضحية بالإفصاح عما مرت به". 

كما تؤكد أهمية وجود "قوانين لحماية الفئات المستضعفة منها النساء والأطفال". 

وترى الزبيدي أن الحلول تكمن في "تفعيل القوانين العقابية، بتشديد العقوبات على المتحرشين"، بالإضافة إلى ضرورة عقد دورات توعوية في المؤسسات العامة بكيفية التعامل مع النساء وتضيف "دائما هناك دورات حول تقييم الأداء وتطوير الجودة، لكن لا يوجد تركيز على القضايا المتعلقة بالقيم الأخلاقية". 

نظرة المجتمع بشكل عام تحتاج تغييرا فيما يخص التحرش، وفقا للزبيدي، وتضيف أن "هناك تحديات أمام التطرق لقضية التحرش في مجتمعاتنا الشرقية، فإذا ضحك الموظفون إن تحدث أحدهم عن العنف ضد المرأة، فما بالك عن شخص يتحدث عن التحرش بنظرة أو بكلمة؟" 

وتقول الزبيدي إنه من الضروري "تفعيل آلية الخطوط الآمنة"، وتوضح "تأتيني حالات تتواصل فيها فتيات ونساء معي عبر فيسبوك هم ضحايا الابتزاز الإلكتروني، وعندما أمنحهن أرقام الشرطة المجتمعية أو رقم العمليات أو غيرها، تقول 'أنا أخاف' أو 'ممكن أهلي يقتلوني' أو 'بخاف أنفضح'". 

وتقترح أن تشارك منظمات غير حكومية تكون موثوقة معنية بالدفاع عن حقوق المرأة، لتكون بمثابة حلقة وصل ما بين هؤلاء النساء والجهات الحكومية". 

"لا أمان في أي مكان" 

ولا تقتصر آثار التحرش على الجريمة بحد ذاتها، بل تترتب عليها آثار نفسية واجتماعية قد تترك الضحايا في حالة خوف وقلق، بالإضافة إلى فقدانهن الثقة بالرجال وفي أنظمة المحاسبة ومجتمعاتهن. 

وتقول الزبيدي إن "إحصائيات عام 2019، تشير إلى أن 60 في المئة من النساء تعرضن للتحرش على وسائل النقل العامة"، مشيرة إلى أن "الأماكن العامة تعتبر مناطق محصورة على الرجال"، ما يدفع المرأة إلى عدم الشعور بالأمان "سواء في الشارع أو المدرسة أو مكان العمل". 

وترى أن الوضع قد لا يقتصر فقط على الأماكن العامة، وأن سلطة الذكور التي تمتد إلى المنازل قد تزيد الوضع سوءا، مضيفة "قامت جائحة كوفيد-19 بتعرية مجتمعاتنا العربية، فكثرت حالات العنف الأسرية، وبالتأكيد زادت حالات التحرش مع بقاء الفتيات في منازلهن برفقة الآباء أو الإخوة، وبالتالي، لم تعد المرأة تشعر في الأمان، لا في الشارع أو المدرسة أو الجامعة أو مكان العمل ولا حتى في المنزل".   

من جهة أخرى، تؤكد الزبيدي أنه لا توجد في الدول العربية آليات للتأهيل النفسي لضحايا التحرش، وتقول إن "هؤلاء الضحايا سيفقدن الثقة في المجتمعات التي يعشن بها"، وتضيف "الضحية لن تشعر بالأمان مجددا ستفقد الثقة بالرجال وستجد صعوبة في الالتحاق بعمل آخر". 


المصدر : الحرة

شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك