التعطيل طال أمده... وميقاتي صاحب المفتاح

14/01/2022 11:04AM

كتب محافظ بيروت السابق القاضي زياد شبيب في النهار:

أبرز "الإصلاحات" التي أقرّتها وثيقة الوفاق الوطني في الطائف وأُدخِل معظمها في الدستور العام 1990، كان نقل السلطة الإجرائية من رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء، وكان في ذهن الفريق "المنتصر" آنذاك أن السلطة الحقيقية سوف تكون في يد من يملك مفتاح مجلس الوزراء، أي في يد رئيسه. ومفتاح المجلس هو أن رئيس مجلس الوزراء وحده من يملك سلطة دعوة المجلس إلى الانعقاد ووضع جدول أعماله (البند 6 من المادة 65 من الدستور: "يدعو مجلس الوزراء إلى الانعقاد ويضع جدول أعماله ويطلع رئيس الجمهورية مسبقاً على المواضيع التي سيتضمنها وعلى المواضيع الطارئة التي ستُبحث").

على هذا الأساس لم يُسمح لاحقاً بإقرار نظام داخلي حقيقي لمجلس الوزراء، أو بأن يحلّ أي شخص محل رئيسه. ليس الهدف انتقاد ذلك من منطلق دستوري أو طائفي كما فعل كثيرون، إنما غاية القول هي وصف ما وصلت إليه حال مجلس الوزراء كمؤسسة جماعية ناط بها الدستور السلطة الإجرائية التي تدير البلاد في جميع أوجه الحياة العامة، وما انتهى إليه دور رئيس مجلس الوزراء.

طبعاً كان هنالك "إصلاح" آخر في الوثيقة والتعديلات الدستورية، فقد تعززت مكانة رئيس مجلس النواب وصار موقعه ثابتاً بفعل عامل النص أولاً، الذي أتاح له أن يستمر في منصبه طوال ولاية المجلس بعدما كان الدستور ينص على انتخابه سنوياً. وثانياً بفعل النفوذ المتأتي من كون الرئيس الذي تولّى المنصب في أول مجلس منتخب على أساس الدستور الجديد كان الأقوى على الأرض. وبطبيعة الحال كانت الممارسة أيضاً على رأس السلطة التشريعية بأن يمسك رئيسها بالمفتاح، وهذا يعطيه سيطرة فعلية على المؤسسة وعلى كل أعمالها.

 

هكذا تمكّن المنتصرون من وراثة المارونية السياسية التي حكمت إلى حد ما بقوة الدستور قبل التعديل، ولكن بعد ذلك بدأ الصراع بين الورثة على التركة واستمر حتى اليوم وتركز الصراع على مفتاح السلطة الإجرائية. والوسيلة التي استُعملت لانتزاع مفتاح مجلس الوزراء من يد حامله كانت التعطيل تحت عنوان الميثاقية، ومورس الانسحاب والامتناع عن حضور الجلسات أو الاستقالة كما حصل في العامين 2006 و2011.

سبق أن أوضحنا "بالنظام" المفهوم الصحيح للميثاقية، وهي لا تعني بتاتاً القدرة على التعطيل. ونضيف أن النصاب المطلوب دستورياً لانعقاد مجلس الوزراء هو أكثرية ثلثي أعضائه، وإذا غاب الثلث منهم لا يفقد المجلس القدرة على الاجتماع بل يكون نصابه صحيحاً دستورياً بحضور ثلثي الأعضاء وأعماله تكون صحيحة وشرعية، بغضّ النظر عن الانتماء الطائفي للمتغيبين. 

اليوم أصبح صاحب مفتاح مجلس الوزراء، أي رئيسه، في وضع تنازل فيه عملياً عن أبرز مكتسبات هذا المنصب الدستوري بعد تعديلات اتفاق الطائف. وفي الواقع والممارسة لم يعد مجلس الوزراء هو المؤسسة الدستورية التي تتولى السلطة الإجرائية، أو السلطة التي تخضع لها القوات المسلحة والتي تضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات أو تقرر الحرب والسلم كما تنص المادة 65 من الدستور، لأنه عملياً لا يُسمح له بأن يجتمع، ورئيسه لا يُقدِم على دعوته للاجتماع لأسباب لا علاقة لها بعمل المجلس أو بدوره الدستوري.

 

لا يمكن لعاقل أن يصدق أن توقف عمل مجلس الوزراء وحالة الاستعصاء الحالية سببها المحقق العدلي وتوجهاته في تحقيق تفجير المرفأ. فالمحقق يصدر قراراً اتهامياً يسهل تفنيده أمام الرأي العام إذا ما كان بالفعل غير مبني على أسس متينة من القرائن والأدلة، والمجلس العدلي بعدها سيحكم بالقضية ويقرر الإدانة أو البراءة.

التعطيل الحالي طال أمده وتجاوز حجمُه سبَبَه المعلن، وهو بالتالي جزء من مشهد تجميع الأوراق بانتظار مآل المفاوضات التي سيترتب عليها المشهد المقبل في المنطقة.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك