استغناء تدريجي عن العملة الوطنية.. لبنان نحو الدولرة الشاملة؟

26/01/2022 06:45AM

كتب حسين طليس في "الحرة":

يقسم حسن عوض، 44 عاماً أنه بات يمضي نحو نصف يوم عمله الطبيعي، متنقلا بين مرآب تصليح السيارات الذي يملكه في بيروت، وبين محلات الصرافة التي يتعامل معها، ليعجل بتحويل ما يتقاضاه من أموال بالليرة اللبنانية إلى الدولار قبل أن يتبدل سعر صرفها ويخسر من قيمتها. يقول لموقع "الحرة" إن هذه الحال هي "ضريبة يدفعها كل من يتقاضى أتعابه بالليرة اللبنانية في هذه الأيام". 

التقلبات التي يشهدها سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، أدت في الآونة الأخيرة إلى خسائر كبيرة تكبدتها المؤسسات التجارية والقطاعات الاقتصادية في لبنان، وكيفما كانت الحركة هبوطا أم صعودا، الأمر الذي يدفع بالأسواق اللبنانية للاعتماد بشكل أكبر على التداول بالدولار والتسعير به، في ظل انعدام ثقة يزداد بالليرة اللبنانية وقيمتها المتبدلة.

خلال الأيام الماضية شهد للبنان تظاهرات طلابية أمام عدد من الجامعات التي قررت البدء بتقاضي جزء من اقساطها بالدولار نقدا. قرار سبقها إليه عدد كبير من القطاعات الأساسية والثانوية على حد سواء في البلاد، ومعهم نسبة كبيرة من التجار ومقدمي الخدمات والمؤسسات التجارية على أنواعها، بالإضافة إلى مختلف أنواع السلع المستوردة من الخارج، وليس انتهاء عند بعض المستشفيات وشركات التأمين وفواتير مولدات كهربائية وموزعي الإنترنت والمتاجر الإلكترونية، التي قررت جميعها تقاضي اجورها واتعابها بعملة الدولار حصرا. 

هذا الواقع بات يثير مخاوف شريحة كبيرة من القوى العاملة في لبنان، التي تتقاضى أجورها بالليرة اللبنانية، حيث يتحول السوق اللبناني شيئا فشيا إلى الدولرة التامة، مقابل تراجع في طلب الليرة اللبنانية والاعتماد عليها في التداول، مع ما يحمله ذلك من تأثير اقتصادي من جهة، واشكالية قانونية من جهة أخرى. 

القانون يعاقب.. والحكومة تخالف

يأتي هذا الواقع في حين أن القانون اللبناني واضح لجهة معاقبة كل من يرفض تقاضي الليرة اللبنانية فوق أراضي البلاد، ويعطي الليرة اللبنانية قوة إبراء مطلقة، حيث تنص المادة 192 من قانون النقد والتسليف على عقوبة السجن من 6 أشهر إلى 3 سنوات على كل من يمتنع عن قبول العملة اللبنانية، وبالغرامة من 500 ألف ليرة إلى مليونَي ليرة. 

ومن جهة أخرى تفرض المادة الخامسة من قانون حماية المُستهلك "إعلان الثمن بالليرة اللبنانية بشكلٍ ظاهر بلصقه إما على السلعة أو على الرفّ المعروضة عليه"، ومن شأن أي عملية تسعير تتم وفقا لعملة أخرى غير الليرة أن تعرض المسؤول عنها للملاحقة القانونية من قبل وزارة الاقتصاد.

لكن تأثيرات الأزمة الاقتصادية، وتقلبات وتعدد أسعار الصرف في البلاد، بالإضافة إلى انعدام الرقابة الرسمية من قبل السلطات اللبنانية، حولت القانون إلى حبر على ورق، وأدت إلى فوضى في التسعير والتداول والتصريف يصعب في ظلها المحاسبة، خاصة وأن الثمن بات يدفعه التجار والمؤسسات على شكل خسائر كبيرة من حسابهم، وفق ما يؤكد الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان. 

أبو سليمان يلفت في حديثه مع موقع "الحرة" إلى أن "السلطات اللبنانية نفسها كانت أول من خرق هذه القوانين وخالفها وليس التجار أو المواطنين، حيث عمدت ومنذ ما قبل الأزمة إلى دولرة الاقتصاد اللبناني على حساب الليرة، وهناك مثل بارز في هذا الشأن يتمثل في تسعيرة الاتصالات الخليوية بالدولار." 

هذه القضية وضعت الحكومة اللبنانية أمام دعوى قضائية مرفوعة منذ نحو عامين، ومع ذلك لا تزال الخطط والإجراءات الحكومية تتجه نحو مزيد من دولرة الاقتصاد حيث يطرح مؤخراً قضية "الدولار الجمركي" بحيث ستتقاضى السلطات اللبنانية رسوم بالدولار او وفق سعر صرفه على حركة الاستيراد والتصدير، ما يعني مزيدا من الدولرة في الأسواق، وارتفاعا في الأسعار. 

الدولار ضرورة للاستمرار

تتحضر معظم شركات التأمين بدورها لتقاضي أموالها من زبائنها حصرا بالدولار الأميركي منذ مطلع الشهر المقبل، وذلك بعد سلسلة إجراءات مالية اعتمدتها طيلة فترة الازمة قبل عامين لمجاراة السوق وأسعار الصرف، قامت على المزج بين صيغة تقاض بالليرة وصيغة أخرى بالدولار أو وفقا لسعر صرفه بالإضافة إلى صيغة خاصة بالشيكات المصرفية، بحسب ما يؤكد يوسف صاحب إحدى شركات التأمين اللبنانية. 

" كل ذلك كان تحضيرا للوصول في نهاية الأمر إلى الدفع بالدولار حصراً"، يضيف يوسف في حديثه لموقع "الحرة"، مشيرا إلى إجراءات جديدة تتخذها شركات التأمين للتمييز بين زبائنها بحسب طريقة الدفع، حيث بات يشار إلى من يدفع بالدولار "فريش" على بطاقة التأمين الخاصة به، لينال على أساسها معاملة مختلفة في المستشفيات او شركة التأمين عمن يسدد تأمينه بالشيك المصرفي مثلا.


أما السبب خلف إصرار شركات التأمين على التعامل بالدولار حصرا يعددها يوسف بدءا من المستشفيات التي لم تعد تتقاضى أجورها من شركات التأمين إلا بالدولار، كذلك شركات السيارات وشركات التصليح، كذلك بالنسبة إلى التعويضات بمعظم أشكالها، "فكيف يمكن الاستمرار إلا عبر القبض بالدولار؟" يسأل يوسف. 

الأمر نفسه ينطبق على حسن عوض، الذي يعمل من خلال مرآبه في تجارة قطع السيارات المستوردة من أوروبا، إذ يرى أن "التعامل بالدولار ضرورة لاستمرار أي عمل أو مؤسسة أو تجارة في أسواق لبنان، وهذه نتيجة وليس رأيا، كل المصالح التي تستورد بالدولار او اليورو، مجبورة على التقاضي بالدولار لتحمي نفسها، حتى معدات الصيانة والبويا والحديد، جميع المستلزمات تستورد وتباع بسعر الدولار، فبأي حق يطلب مني التسعير بالليرة؟" 

الناس تتأقلم

يدرك حسن أنه يخالف القانون، ولكنه يرى السير بالقانون يعني إعلان إفلاس رسمي، "حتى أن قسما كبيرا من الناس، باتوا يفضلون الدفع بالدولار، خاصة بعد أن بات سعر الصرف مرتفعا جداً وأصبحت الأرقام باللبناني كبيرة جدا وبات كل لبناني يحتاج صرافا إلى جانبه ليتسوق، ما يدفع الناس للمحاسبة بالدولار مباشرة بدل خسارة نسب معينة بسبب عمليات التصريف". 

ظاهرة تأقلم اللبنانيين مع التسعير والدفع بالدولار تلاحظها أيضا ندى الطويل، التي تدير صالة عرض للإلكترونيات في منطقة المكلس، وتسعر معظم معروضاتها بالدولار الأميركي، وذلك لكون كافة بضاعتها مستوردة من الخارج. 

تؤكد ندى أنها حاولت في البداية أن تسعر وفقا لسعر الصرف، "لكنني تحولت في النهاية إلى صرافة وتكبدت كثيرا من الخسائر بسبب فرق صرف الليرة، إن ارتفع ألف ليرة تخسرها أنت من أرباحك عن كل دولار تقاضيته بالليرة، وبالتالي القطعة التي تباع بـ 10 دولارات تخسر 10 آلاف ليرة في حين أن تجار هذه البضائع لا يقبلون إلا بالدولار حصرا. 

اليوم تطلب ندى من زبائنها أن يؤمنوا هم الدولارات، فوفق تعبيرها "هذا أكثر عدلا، بحيث يتحمل كل زبون فروقات الصرف على القطعة التي يشتريها فقط، بدلا من أن أتحمل أنا كافة الفروقات على كل البضائع، كما أنه لا يمكنني ان اتبنى سعر صرف معين وأتابع حركة السوق والدولار طيلة الوقت، ولا يمكنني حماية نفسي بزيادة سعر الصرف 500 ليرة مثلا، الأمر الذي يثير اعتراضات الزبائن."

تعلم ندى بدورها أن التسعير بالدولار أمر مخالف للقانون، وتضيف "لست أهوي مخالفة القانون، ولكن ما من حل آخر أمامي إلا ذلك، وإلا فلتثبت الدولة اللبنانية سعر الصرف وعندئذ الكل يلتزم، أما أن نخسر نحن لتطبيق قانون لم يعد مناسبا فهذا غير وارد، والناس باتت أكثر تفهما في ظل اتجاه كافة المصالح نحو الدولار".

تداعيات اقتصادية 

وعلى الرغم من ارتفاع شعبية "الدولرة" بين اللبنانيين، وسعي العديد من القطاعات والغرف التجارية والمؤسسات إلى الاستحصال على أذونات تسعير بالدولار من قبل وزارة الاقتصاد، يبقى لهذا الواقع المستجد تأثيرات اقتصادية كبيرة على اللبنانيين. 

وبحسب ما يؤكد أبو سليمان في حديثه لموقع "الحرة" فإن 85 بالمئة من القوى العاملة في لبنان مداخيلها بالليرة اللبنانية، هؤلاء سيكونون مضطرين للتوجه إلى السوق السوداء من أجل الحصول على الدولارات لشراء السلع، ما يعني مزيدا من التآكل في قدرة الشرائية للرواتب المصروفة بالليرة اللبنانية، خاصة أن هذا الواقع يأتي في ظل اقتصاد متداع وعملة فقدت أكثر من 90 بالمئة من قيمتها. 

أما لناحية الطلب على الدولار، يرى أبو سليمان انه من الناحية النظرية فإن التسعير بالدولار لا يرفع الطلب على الدولار بالضرورة، "لأن التاجر الذي يسعر ويتقاضى أجره بالدولار لن يكون بحاجة لطلب دولارات من أجل الاستيراد فالدولارات باتت تصله عبر الزبائن وبالتالي هم من باتوا يجمعون الدولارات بدلا منه".

الدولرة الشاملة

وسط هذا المشهد، يزداد التداول بمصطلح "الدولرة الشاملة" للاقتصاد اللبناني، على لسان خبراء اقتصاديين ومنظرين وتقارير إعلامية في سياق الحديث عن الحلول الممكنة للواقع الراهن، وحتى من لم يسمع بالمصطلح يوافق على فكرته، كما هو حال كل من يوسف وندى وحسن ومعهم نسبة كبيرة من اللبنانيين، يرون أن اعتماد الدولار بشكل نهائي بدلا من الليرة من شأنه أن يخفف أعباء وخسائر كبيرة ويخلص اللبنانيين من دوامة التصريف وأسعار الصرف. 

الباحثة الاقتصادية الدكتورة ليال منصور، تقدم نفسها من أشد المتحمسين لفكرة "الدولرة الشاملة" أو إنشاء مجلس نقد في لبنان يدير إطلاق عملة جديدة مربوطة بالدولار الأميركي. 

منصور تؤكد أنه حين تنعدم الثقة بالعملة الوطنية، لا يمكن خلق الثقة من جديد، "فالعملة ليست كمؤسسة أو سلعة أو مصرفا يمكن أن تفقد الثقة فيما ثم يعاد استرجاعها أو بنائها، يمكن بناء الثقة بكل شيء إلا بالعملة بعد انهيارها، وهذا بحسب دراسات صندوق النقد الدولي، حيث يكون الخيار الأنسب بعد ذلك تغيير العملة أو تغيير نظام الصرف".

والدولرة هي حالة اقتصادية تصفها منصور بـ "الآفة" التي تصيب الاقتصاد، فتشير إلى عدم وجود ثقة بالعملة المحلية والسياسات النقدية المتبعة في البلاد، لافتة إلى أن 80 بالمئة من الاقتصاد اللبناني مدولر اليوم، وفي علم الاقتصاد تصنف البلدان المدولرة وفقاً لمعاير تتراوح ما بين المدولر قليلاً ووسط وكثيراً جداً، ولبنان يصنف في الفئة الأخيرة.

وبالتالي الدولرة الشاملة هو أمر واقع يتجه إليه لبنان، وهو حل لا يمكن الهروب منه، فبحسب منصور "مستقبل أي اقتصاد في خانة المدولر جدا، هو الدولرة الشاملة بحسب علم الاقتصاد، وإلا يبقى الاقتصاد بأزمة نقدية مدى الحياة، وتكون أي خطوة خارج هذا الاتجاه مجرد مكابرة تأجيل للوصول إلى الدورة الشاملة." 

وتصديقا لهذه النظرية، بحسب منصور، هو ما نشره صندوق النقد الدولي عام 1994 في دراسة له من نصائح للبنان باعتماد الدولرة الشاملة، "ومنذ ذلك الحين، حاول لبنان الالتفاف على هذا الأمر ومقاومته إلى أن وصلنا للوضع الحالي حيث ما عادت المقاومة مجدية في هذا السياق."

وتستعرض منصور فضائل "الدولرة الشاملة" للاقتصاد، حيث لن يعود هناك مبدأ تصريف بين عملتين في البلاد، و"إنما تتحول الدولارات إلى لبنان بحسب حجم اقتصاده وحاجته الاقتصادية، ويصبح نمو الاقتصاد معياراً لحجم الكتلة النقدية".

لافتةً إلى أن خطوة الدولرة الشاملة دائما ما تكون مرفوضة من قبل السياسيين، "خاصة إذا كانوا هم سبب الانهيار"، لأن خطوة كهذه من شأنها وضع حد لكل عمليات السرقة والهدر والفساد من جهة، والسبب الاخر هو الاعتراف علنا وعالميا ورسميا بالفشل في الإدارة المالية وفي عمل المصرف المركزي". 

الفوضى أمر واقع

الخبيرة الاقتصادية تشدد على أنه من شأن هكذا خطوة أن تحمل حلولا اقتصادية للبلاد، "حيث لن يكون هناك مخاوف من قبل المستثمرين من خسارة أموالهم في حال كانت العملة الرسمية هي الدولار، كما ان هذه الخطوة من شأنها أن تعزل الواقع النقدي والمالي في البلاد عن أي واقع سياسي قائم أو خلل أمني أو مشاكل دولية، حيث ستبقى العملة ثابتة مهما حصل، وهذا أبرز ما يحتاجه لبنان في واقعه السياسي".

لكن في المقابل لا يرى أبو سليمان أن هناك إمكانية واقعية لطرح هذا الأمر في لبنان حاليا، "فخطوات كهذه تتطلب إنشاء مجلس نقد والتخلي عن العملة الوطنية مقابل التعامل بالدولار، أو أن يصبح لدى لبنان كتلة نقدية بالدولار توازيها كتلة نقدية بعملة جديدة وهذا من الصعب جدا الوصول اليه عملياً." 

ويشرح أبو سليمان أن "لبنان لا يدخله دولارات، في حين أن الدولة اللبنانية تدفع رواتب موظفيها ومستحقاتها بالليرة اللبنانية، وبالتالي هناك صعوبة كبيرة في الموازنة بين الكتلة النقدية بالليرة مقابل كتلة بالدولار، هذا عدا عن استحقاق الودائع في المصارف حيث سيكون هناك مشكلة في طريقة دفع الودائع وهناك استحالة في دفعها بالدولار، فحين اقترح البنك الدولي الدولرة عام 94 لم يكن هناك ودائع بقيمة 105 مليارات دولار في المصارف، أما اليوم من أين ستحضر المصارف هذه المبالغ؟" 

أبو سليمان يخلص إلى أن الوضع الحالي سيبقى كما هو عليه من فلتان وفوضى اقتصادية يدفع ثمنها المواطنون، "حيث لا إمكانية تنظيم لعملية دولرة شاملة، وفي الوقت نفسه يتحول الدولار إلى أمر واقع في السوق حيث سيكون العملة السائدة في لبنان إذا استمر السوق بهذا الاتجاه.

المصدر : الحرة

شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك