الضّوء... تحت القرميد الأسوَد

16/06/2022 02:56PM

كتب قزحيا ساسين في "السياسة":

لقد دخَلنا في لبنان، اليوم، عصر القرميد الشمسيّ. فكيفما سَرّحنا العين، فوق سطوح الأبنية، لا نرى سوى ألواح توليد الطاقة الشمسيّة. إنّه القرميد الأسوَد، وفي سَواده ظِلُّ مأساتنا، وخيار لم يعُد لنا سواه: التطلُّع نحو الشّمس، ومَن فوقَها، لأنّ الذين هنا... ليسوا هُنا.

إنّ السلطة المجرمة، التي تنفّذ حكم الإبادة في شعبها، أفهمَته أنّها لن تستطيع غير نَقلِه من موت إلى موت أكبر، وأنّ عليه التصرّف، بِحُكم غريزة البقاء، ليبقى على شيء من الحياة. وهي لن تكلّف خاطرها لأجل إضاءة لمبة في غرفة ولدٍ يدرس، أو لأجل حبّة دواء ينتظرها الموجوع هابطة من السّماء...

مع تحوُّل فاتورة مولّدات الكهرباء مقصلة شهريّة، مرتبطة مباشرة ببورصة المحروقات التي ما من قوّة قادرة على لجم أرقامها الآخذة في تصاعد مخيف، قرّر السّواد الأعظم من اللبنانيّين اللجوء إلى الحلّ البديل المتمثّل بالطاقة الشمسيّة. غير أنّ هذا الحلّ سيصبح أصيلًا، لأنّ كهرباء الدّولة لن تأتي قبل أن تأتي الدولة. وإن أتت، فكلّ المسؤولين، المعنيّين بمتابعة ملفّ الكهرباء واستثماره، يؤكّدون أنّ ثمنها سيكون مرتفعًا لأسباب كثيرة، باتت معروفة. ما يعني أنّ اللبنانيّ، المغلوب على أمره، يكون بالطاقة الشمسيّة قد أصاب عصفورَين بحجر: فاتورة المولّد الدائمة، وفاتورة الدولة إن نجحت السلطة المُطفأة في إيصال الضوء إلينا.

إضافة إلى ذلك، ماذا يفعل المواطن الذي تمكّن، بطلوع الروح، من الوصول إلى بضعة آلاف من الدولارات؟ فإذا تركها في البيت، خاف عليها من ألف سارق، وإذا وضعها في البنك، سطا عليها رياض سلامه وشركاؤه في السلطة والمصارف. إذًا، لا شيء، اليوم، أفضل من الاستثمار المُرّ، في اللجوء إلى القرميد الأسود.

وقد نسمع في الشّتاء المقبل أخبارا مفجعة، لأنّ الكثيرين من اللاجئين إلى الطاقة الشمسيّة، لن يجهّزوها بالأدوات اللازمة التي من وظيفتها امتصاص الصواعق. فالخطر موجود، ومن واجب السلطة، على مستوى البلديّات، متابعة هذه المسألة، بهدف حماية الناس، لا عرقلتهم وتكبيلهم بقوانين لا فائدة منها.

سوف يستمرّ القرميد الأسود خشبة خلاص غالية الثمن، ولن نجد بناية بلا غُرّة سوداء. وبموازاة ذلك، ستتراجع مداخيل أصحاب المولّدات، الذاهبة غدًا أو بعدَه إلى الصمت الطويل. وستعرف الدولة أنّ كهرباءها المنتَظرة لن يعود عندها من يقف على رصيف الانتظار.

وها نحن نستعدّ نفسيّا، للانتقال من رحمة أصحاب المولّدات إلى رحمة مركّبي الطاقة الشمسيّة.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك