في شمال سوريا.. "اقتتال الجيش الواحد" يفتح شهية "النصرة"

21/06/2022 08:43PM

باتت صراعات الفصائل أبرز ما يميز مشهد مناطق ريف حلب في الشمال السوري من الخارج، فبين اليوم والآخر يشتبك طرف عسكري مع آخر، رغم أنهما ينتميان لـ"جيش واحد" (ما يعرف بالجيش الوطني السوري). ويسقط قتلى من الطرفين وضحايا مدنيون، وبعد ذلك يُعقد "اتفاق صلح"، و"كأن شيئا لم يكن".

وكانت آخر الحوادث من هذا النوع، الأسبوع الماضي، حيث اشتبك فصيلان في مدينة الباب ومحيطها بريف حلب، الأول يسمى بـ"الجبهة الشامية" التابعة لما يعرف بـ"الفيلق الثالث"، والثاني يعرف بـ"القطاع الشرقي" لـ"حركة أحرار الشام الإسلامية".

وخلال الساعات الأولى من الاشتباك المسلح الذي استخدمت فيه الأسلحة الثقيلة والمتوسطة بدا ما يحصل، وكأنه يشبه حوادث الاقتتال السابقة، إلى أن تحركت جبهة أخرى وبصورة غير متوقعة من جهة منطقة عفرين، الأمر الذي غيّر مسار الصراع بشكل كامل، بعدما دخلت "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة المصنفة إرهابيا)، لتعزيز موقف طرف في مواجهة الآخر.

وفي وقت كانت فيه الاشتباكات تحتدم بين "الشامية" و"أحرار الشام" في محيط مدينة الباب اقتحمت "تحرير الشام" بعدة أرتال مناطق واسعة في عفرين، التي سيطر عليها الجيش التركي وتحالف "الجيش الوطني السوري"، في مارس 2018.

ولم تعرف الغاية من وراء هذا التحرك الأول من نوعه من جانب "تحرير الشام" في المناطق الخاضعة للإدارة التركية.

وبدوره يقول العقيد زياد حاج عبيد، وهو قيادي عسكري مقيم في ريف حلب، إن التحرك جاء لدعم موقف "أحرار الشام" من جهة، ولتوجيه "رسالة لفصائل الجيش الوطني بأن تحرير الشام موجودة في ريف حلب وبفارق زمني بسيط يمكنها الانتشار والتوسع".

وتحدث حاج عبيد لموقع "الحرة" أن الفصائل لم تتخذ موقفا موحدا ضد تحرك "تحرير الشام"، وأن "الأخيرة دخلت دون صدام وبشكل أتوماتيكي، ودون معارضة، ووصلت إلى قرى تبعد عن مركز المدينة حوالي 6 كيلومترات".

ويدل ما سبق على "عدم التزام الفصائل بأي قرار، كما يدل على فشل غرف العمليات التي تم الإعلان عنها مؤخرا. لم يكن هناك أي تكاتف من الفصائل للوقوف أمام الهيئة".

ويتابع القيادي العسكري: "ما حصل هو إنذار خطير باتجاه منطقتي عفرين ودرع الفرات. إذا تقدمت تحرير الشام مجددا وتوسعت سيتغير الموقف الدولي، وستكون المنطقة عرضة للقصف من طيران التحالف وغيره".

"بين دولتين"

ينقسم الشمال السوري، الخارج عن سيطرة النظام السوري منذ سنوات، ضمن منطقتين، الأولى هي ريف حلب وتضم منطقة واسعة من عفرين وصولا إلى جرابلس والباب شرقا. وهذه تخضع لسيطرة تحالف "الجيش الوطني السوري"، الذي تدعمه أنقرة.

أما المنطقة الثانية فهي محافظة إدلب، التي أحكمت "هيئة تحرير الشام" السيطرة عليها بالكامل، بعد سلسلة صدامات مسلحة مع باقي التشكيلات العسكرية الصغيرة التي كانت تنتشر في المنطقة هناك.

وما بين هاتين المنطقتين هناك اختلاف في الإدارة والتنظيم العسكري وأيضا على صعيد الاقتصاد، وتوجد أيضا حدود ومعابر داخلية، تتمركز بشكل أساسي على حدود منطقة عفرين الفاصلة.

ولم يسبق وأن كسر أحد الفصائل من الطرفين هذه الحدود، خلال السنوات الماضية، ليغدو المشهد وكأن الشمال ككل مقسم ضمن "دولتين".

لكن ومنذ مطلع العام الجديد تحدث ناشطون ومراقبون عن محاولات من جانب "تحرير الشام" لتحقيق اختراق عسكري أو أمني في مناطق ريف حلب الشمالي.

وجاء ذلك في الوقت الذي واصلت فيه الفصائل العسكرية هناك عمليات الانشقاق عن بعضها البعض وتشكيل التحالفات ذات الأسماء الكثيرة. منها ما ظهر مؤخرا مثل "غرفة عزم"، "هيئة ثائرون"، "الجبهة السورية للتحرير".

ولطالما تعرضت فصائل "الجيش الوطني" لانتقادات بشأن ظروف الانقسام التي تعيشها، فيما لم يعرف حتى الآن الأسباب التي تقف وراء استمرار حالة "التبعثر" والانشقاقات وعدم الانصهار في جسم عسكري واحد.

وبخصوص ما حصل الأسبوع الماضي من الصدام ومن ثم "الاختراق الذي حققته تحرير الشام" يرى عروة عجوب، كبير المحللين في مركز التحليل والبحوث العملياتي أنه من الصعب الجزم في الأسباب المباشرة لـ"الاقتتال الأخير".

لكنه يوضح في حديث لموقع "الحرة" أن "الحدث الأهم المتمثل في دخول قوات هيئة تحرير الشام لأول مرة في تاريخها إلى مناطق غصن زيتون الواقعة تحت النفوذ التركي يشكل تطورا مهم في العلاقة بين الهيئة وبعض فصائل الجيش الوطني".

"الفصائلية تغذي التمدد"

منذ تشكيل "الجيش الوطني السوري" في ريف حلب بدعم تركي عام 2017، شارك في عدة عمليات عسكرية، أبرزها في منطقة عفرين مطلع 2018، ومؤخرا في مناطق شمال وشرق سورية في عملية "نبع السلام".

وفي السابق، ورغم أن نشاط هذا "الجيش" كان مقسّما ضمن ثلاثة فيالق، إلا أن الفصائل المكونّة له لم تخرج عن إطار الفصائلية والانفراد بالقرار، الأمر الذي شكّل فيما بينها حالة صدامية.

وهذه الحالة تمت ترجمتها على المشهد العام باشتباكات ومواجهات داخل المنطقة الواحدة التي يسيطرون عليها.

وإلى جانب "مواجهات الباب" كانت منطقة رأس العين شهدت أواخر الشهر الماضي اشتباكات مسلحة أيضا، أسفرت عن قتلى عسكريين ومدنيين.

ويشير الباحث السوري في "مركز جسور للدراسات"، وائل علوان، إلى أن "الفيالق الثلاث لم تنقل الفصائل من الحالة الفصائلية والشعبية إلى الحالة المؤسساتية في الجيش الوطني".

ويقول لموقع "الحرة": "مشروع وزارة الدفاع أيضا (تعتبر رأس الجيش الوطني) هو حبر على ورق. فعليا ليس لها أي سيطرة على ضبط فصائل الجيش الوطني بمؤسسة عسكرية منضبطة ومنتظمة".

وفي السابق حصلت الكثير من حوادث الصدام والتوافق بين الفصائل.

وقبل أشهر قريبة كان هناك صدام بين "الفيلق الثالث" وفرقة "السلطان سليماه شاه" في منطقة عفرين أيضا، وكاد أن يتطور إلى مواجهات عسكرية كبيرة، إلى أن تم إخماده، بوساطة طرف ثالث، لكن "بصورة غير نهائية".

ويضيف علوان: "بخصوص الصدام الذي حصل في الباب فإن التحليل الذي يقول إن تحرير الشام لها دورا فيه هو معتبر. الهيئة لها دور في زعزعة استقرار الفيلق الثالث".

ويرى الباحث أن ذلك مرتبط بالمشهد "غير المستقر، حيث لا توجد نتيجة نهائية لانتظام الجيش الوطني في مؤسسات عسكرية، كما لا يوجد شكل نهائي لموضوع الفصائل".

"رسالة وجس نبض"

في غضون ذلك، يرى الباحث عروة عجوب أن هناك بعض النقاط التي يمكن لها أن تفسر قرار "تحرير الشام" المصنفة على قوائم الإرهاب الدولية بدخول مناطق غصن الزيتون"، والرغبة في إضعاف "الجيش الوطني".

وأولى هذه النقاط "وجود كتلة عسكرية متماسكة قادرة على موازنة ثقل تحرير الشام العسكري في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة والمجاورة لمناطقها. هذا الثقل يمكن أن يشكل خطرا عليها في المستقبل".

ويتابع عجوب: "الأمر الذي سبقت وتعاملت معه بحزم في مناطقها عندما قضت على الوجود الفعلي لأحرار الشام، صقور الشام ونور الدين الزنكي في إدلب".

وهناك نقطة ثانية، حددها الباحث بأنه "وفي ظل الجهود التركية الخجولة لتوحيد الشمال عسكريا، تسعى الهيئة إلى خلق ولاءات داخل الجيش الوطني من خلال مؤازرتها لبعض الفصائل الموجودة داخله مثل القطاع الشرقي لأحرار الشام، الأمر الذي قد يسهل عليها امتلاك القرار، في حال تشكيل أي مجلس عسكري يضمها مع فصائل الجيش الوطني مستقبلا".

وتريد "تحرير الشام أيضا إرسال رسالة إلى أنقرة، مفادها بأن حالة الفصائلية والفوضى الأمنية في المناطق الخاضعة لنفوذها يمكن ضبطها من خلال وجود قوة عسكرية كتلك التي تمتلكها".

وكانت "تحرير الشام" قد نشرت بيانا تلا حادثة الباب وتدخلها في عفرين حمل في طياته الرسالة المذكورة، بحسب عجوب.

وجاء في البيان: "انطلاقا من واجبنا مسؤوليتنا بحماية أهلنا ومنها لجر الساحة لجولات اقتتال عبثية، دفعنا بكل قوة لإيقاف ما يجري من اقتتال"، وكأنها تقول إنه "يمكن الاعتماد عليها في هذه المهمة حتى خارج أماكن سيطرتها"، بحسب عجوب.

ورغم ذلك إلا أن "الهيئة غير قادرة على توسيع نفوذها العسكري في مناطق نفوذ تركيا في حال غياب ضوء الأخضر من أنقرة، وقد يتطلب الأمر بعض الوقت لاتخاذ هكذا قرار في أنقرة".

وما حصل مؤخرا، وفق عجوب "يمكن أن يكون محاولة من تحرير الشام لجس نبض الأتراك، الذين لم يعرف عنهم التدخل العسكري المباشر لحماية أي فصيل على حساب الآخر، حتى ولو كان مدعوما من قبلهم".

"اختراق على مستويات"

وتصنف الولايات المتحدة الأميركية "هيئة تحرير الشام" وقائدها "أبو محمد الجولاني" على قوائم الإرهاب، وكانت قد عرضت مكافأة مالية مؤخرا للجهة التي تقدم أي معلومات عن الأخير أو أماكن تواجده في الشمال السوري.

وكذلك الأمر بالنسبة لتركيا، التي تضع "تحرير الشام" أيضا على قوائم الإرهاب لديها.

وكانت هذه الجماعة المصنفة إرهابيا قد استكملت خطوات هيمنتها العسكرية والإدارية على محافظة إدلب، على مدى السنوات الثلاث الماضية.

وبينما سعت إلى تحجيم نطاق سيطرة "الفصائل المعتدلة"، استحوذت على قطاعات اقتصادية في إدلب السورية، من خلال الحكومة التي أنشأتها قبل سنوات تحت اسم "حكومة الإنقاذ السورية".

وتحدث الباحث السوري، وائل علوان، أن الجماعة أقدمت على تحقيق "اختراق أمني واقتصادي في مناطق ريف حلب الشمالي منذ زمن، إذ حاولت مد النفوذ من خلال استثمار خلافات الفصائل، والتواصل المنفرد مع كل جماعة في الجيش الوطني على حدة".

ويقول علوان: "هذا التواصل كان إما لشراكات اقتصادية أو لتحقيق النفوذ الأمني".

ومن المفارقة أن دخول "تحرير الشام" لمنطقة عفرين، وانسحابها بعد ساعات جاء تحت ذريعة دعم "قطاع عسكري لحركة أحرار الشام" في مواجهة الفصيل الآخر "الجبهة الشامية".

و"أحرار الشام" كانت إحدى الفصائل التي أقدمت "تحرير الشام" على تفكيكها بشكل كامل، ضمن مساعي الهيمنة على محافظة إدلب، شمال غربي البلاد.

وبحسب الباحث علوان، فإن الجديد في الوقت الحالي هو "الحضور العسكري لتحرير الشام وليس الحضور الأمني والاقتصادي. التدخل بالأرتال كان معلنا والرسالة كانت واضحة".

وذلك ما أظهر أن "الفيلق الثالث الذي تنتمي إليه الجبهة الشامية لا يحظى بتوافق فعلي مع باقي مكونات الجيش الوطني لمواجهة خطر التمدد. الأخير ما يزال يعتمد بشكل كامل على الموقف التركي في منع تمدد تحرير الشام".

ويقطن في الشمال السوري بقسميه ريف حلب وإدلب ملايين المدنيين، القسم الأعظم منهم من النازحين المهجرين من قرى وبلدات ومدن مختلفة من سوريا.

ويعيش هؤلاء المدنيون أوضاع معيشية سيئة للغاية، بحسب تقارير دورية للأمم المتحدة، فيما قضى البعض بالاشتباكات التي تتركز في غالبيتها في مناطق مأهولة بالسكان، وأحيانا في محيط المخيمات المنتشرة بكثرة على طول الحدود الشمالية للبلاد مع تركيا.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك