رفع بدَل النّقل... إمعان في قتلنا

22/06/2022 08:48AM

المقالات المُذيّلة بأسماء كاتبيها تُعبّر عن آرائهم الخاصّة، وليس بالضرورة عن رأي موقع "السياسة"

كتب قزحيا ساسين في "السياسة":

كلّما حلّقت أسعار المحروقات مجتازة أسعارها في أمس قريب، اجتمعَ أصحاب المؤسّسات الخاصّة، ووزير العمل مصطفى بيرم، وأمين عامّ الاتّحاد العمّالي، وكلّ الذين لا يمثّلون حقًّا وجع العاملين والموظّفين، وقرّروا تعديل بدل النّقل، بما يتلاءم مع مصالحهم، ولا يفي بالمطلوب، بالنسبة لأصحاب الدخل المحدود، إلّا إذا كان الذهاب إلى العمل على دواليب، والعودة سيرا على الأقدام.

إنّ الانصراف، بشكل أساسيّ، لمعالجة بدل النقل الذي قد يصل إلى المئتي ألف ليرة، ويتخطّى الأجور، هو اعتراف بأنّ المعنيّين يبذلون منتهى الجهود، لإحكام حبل المشنقة على أعناق الناس، لأنّهم يدفعون ثمن سلعة واحدة، وهي البنزين، بهدف إيصال من يعمل بأقلّ من رغيف خبزه إلى مكان عمله، في حين أنّ الأولويّة يجب أن تكون لتعديل الرواتب والأجور، فأجر العامل، كحدّ أدنى، لا يمكن أن يكون مقبولا إن لم يستطع تغطية ثمن كلّ السلع الأساسيّة، التي يحتاجها الإنسان لحياته اليوميّة.

ما يجري، منذ سنتين، على مستوى رفع بدل النقل، هروب من المواجهة الملحّة للأزمة، وتواطؤ على كلّ عامل، وإمعان في الظلم وترك الناس يواجهون قدرَهم الأسود تحت خطّ الفقر العريض جدًّا، إلى حدّ أنّه يكاد يُرى بالعين المجرّدة.

وبكلّ تأكيد، ستتفاقم معاناة اللبنانيّين بَعد، وسنشهد مع بداية الشهر المقبل طقسا تمّوزيّا فائق الحرارة اقتصاديّا، ولن يجرؤ أحد من المسؤولين على طرح أيّ حلّ إيجابيّ، ولَو متواضعا. والمشكلة الكبرى أنّ سياسة "الشهر الزائد"، أو "شَوفة الخاطر"، بخمسين دولارا من هنا ومساعدة اجتماعيّة من هناك، لم تعُد قادرة على تخدير الناس الجائعين، وليس من حلّ سوى بالابتعاد عن ملهاة بدل النقل والبحث في الأساس، أي في الرواتب والأجور تحديدا.

وفي هذا السياق، يبدو إضراب القطاع العامّ في غاية الأهمّيّة، شأن الإضرابات الجزئيّة التي شهدتها بعض المؤسّسات الخاصّة، ومنها المدارس. وذلك لأنّ الإضراب، وحده، كفيل بأن يكون الحجّة الأقوى التي تعلن موتنا الجَماعيّ، في ظلّ سلطة قاتلة، لن تكلّف نفسها عناء رثائنا على الأقلّ.

وما يحصل، اليوم، من تعديل طفيف في رواتب القطاع الخاصّ، وتعهُّد بدفع مبلغ متواضع جدّا بالدولار، كإضافة غير مقَونَنة إلى المعاش الشهريّ، هو محاولة من أصحاب المؤسّسات الخاصّة، للاستمرار بالقوّة. غير أنّ أوضاع العاملين في هذه المؤسّسات ذاهبة بهم حُكمًا إلى التوقّف عن العمل في القريب العاجل أو الآجل. ولن تنجو المدارس الخاصّة من هذه الأزمة التي ستواجهها مع بداية العام الدراسي في أوائل أيلول، وذلك بسبب عجز الرواتب عن تلبية المعلّمين في الحدّ الخجول من الحياة الكريمة، وما سيجعل النُّقل يكتمل بالزعرور نيران الأسعار التي ستطال كلّ متطلّبات الحياة.

صحيح أنّ واقع الدولة يبدو غير مشجّع ماليّا، بسبب ما هو معلن من إفلاسها وما هو طيّ الكتمان، وصحيح أنّ المؤسّسات الخاصّة، في جزء منها، تعاني صعوبة الاستمرار، إلّا أنّ حقيقة، لا تقبل اللبس، وهي أنّ العامل، وفي أيّ إطار كان، لم يعد ذا قدرة على الاستمرار، وهو لا يريد ثمن وصوله إلى عمله الذي لا يطعمه خبزا، إنّما يطلب أجرا ينسجم بأدنى المستويات مع كلفة الحياة الجحيميّة.

أمّا كيف سيحصل هذا الأمر؟ فمسؤوليّة الجميع، لاسيّما السلطة التي تسطو على كلّ شيء، حتّى على حقّنا في الحياة التعيسة.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك