إضراب عام... أم استقالة جَماعيّة؟

28/06/2022 06:12PM


كتب قزحيا ساسين: 


لا أذكر يومًا، أعطت فيه الدولة رغيفا زائدًا لأيّ لبنانيّ، لتعاطُفٍ تلقائيّ مع حقّه في الحياة الكريمة. فهي، تقليديًّا، لا تفتح يدها إلّا بِعصا الإضراب. وصحيح أنّنا، اليوم، في دولة مفلِسة، لكنّها، بمؤسّساتها العامّة، والخاصّة في قسم منها، لا تزال مصرّة على إرغام الناس على العمل، بأقلّ من قُوتهم اليوميّ. وفي هذا التعسُّف تحريض للجميع على إعلان الاستسلام من خلال الإضراب، الذي هو حقيقةً يخلو من أيّ تحَدٍّ أو نيّة للمواجهة، إنّما يأتي بمثابة تقديم استقالة جماعيّة، لا أكثر ولا أقلّ.

أيّام زمان، كان القطاع الخاصّ سبّاقا في فرض لغة الإضراب مع الدولة. وإضرابات نقابة المعلّمين التاريخيّة خير دليل على ذلك. وقد تغيّرَت الحال، وصار القطاع العامّ ينزل ساحة الإضراب، متمرّدا على القانون الذي يحرمه حقّ الإضراب. وها نحن نرى موظَّفي الدولة، منقطعين عن العمل، ورافعين صوتهم الجائع، في إضراب من المرجَّح أن يطُول. وهؤلاء يحملون لائحة مطلبيّة تتطابق مع لائحة زملائهم في القطاع الخاصّ، الذين يُضرِبون بشكل جزئيّ، وبِحَسب أنواع مهَنهم، إذ ليس بإمكانهم أن يُضربوا جميعا في الوقت نفسه، لأكثر من اعتبار، إلّا أنّهم، أيضا، في همّ الإضراب الدائم.

أمام هذا الواقع الإضرابيّ، نجد المؤسّسات الخاصّة تسبق الدولة في تسيير أمور موظّفيها، بالتي هي أحسن، عبر دَولَرة جزء من الراتب الشهريّ، أو زيادته بالليرة اللبنانيّة بشكل مقبول. وذلك للحفاظ على استمراريّتها، وإن بالحدّ الأدنى، والمدارس الخاصّة مثال على هذا النّهج. 

أمّا الدولة فواقعها مختلف تماما في التعاطي مع موظّفيها، وكانت قد لجأت إلى بعض الهبات والمساعدات والرواتب الإضافيّة، من حين إلى آخر، غير أنّ هذا النّهج، في مواجهة الأزمة الاستثنائيّة التي نمرّ بها، باء بالفشل، لأنّ كلفة الحياة تخطّت ما تقدّمه الدولة من مساعدات هزيلة وبدل نقل أكثر هُزالا. وأصبح المطلوب قرارا كبيرا، يقول باستمرار العمل في مؤسّسات الدولة على مستوى القطاع العامّ أو توقُّفه، أي: إعلان موتنا رسميّا.

تعرف السّلطة النّاهبة شعبها أنّ اللبنانيّين المضربين أصحاب حقّ لا يحتاج إلى حجّة، وسوف تسلّفهم قليلا من الخبز وكثيرا من الوعود. وتعرف أيضا أنّهم إن فَكّوا إضرابهم فسيعودون ليركبوا قطارَه لاحقا. وسوف تقوم لاحقا بما قامت به قَبلُ. ويَعرف المضربون، بلا شكّ، أنّهم يخاطبون سُلطة متَّهَمة بتجويعهم، ومن الواجب أن يكون كبار مسؤوليها في السّجون، لا في مواقع المسؤوليّة. لكنّ هؤلاء، المغلوب على أمرهم، ليس في يدهم حِيلة أخرى.

أمّا مَنّ صندوق النقد الدولي وسَلْوَاه فيبدو أنّهما بعيدان بٌعدَ رئيس حكومة ورئيس جمهوريّة "يفشّان الخلق". وكذلك هي حال أيّ مساعدة دوليّة مَرجُوّة.

والمؤسف أن لا حَلّ، يقِينا الجوع، إلّا إذا نظرَت المؤسّسات الإنسانيّة العالميّة إلينا مِثلما تنظر إلى الغُرَباء الذين عندنا، وبِتنا نحسدهم على مئات الدولارات التي يقفون بصفوف طويلة، أمام الصرّاف الآليّ، ليحصلوا عليها. وحتّى الصرّاف الآليّ لا يجرؤ على الخطإ معهم.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك