التنمّر ... سارة تتغلّب عليه بالضربة القاضية

01/08/2022 07:28PM

كتبت ربيكا سمعان:


التنمّر شكل من أشكال العنف الذي يمارسه شخص (طفل أو راشد) أو مجموعة (من الأطفال أو الراشدين) ضدّ أحدهم، أكان طفلاً أو راشداً، بهدف إزعاجه و/أو إيذائه بطريقة متعمّدة ومتكرّرة. وتتعدّد أنواعه: منها الجسدي كالضرب أو السرقة؛ واللفظي كالشتائم والسخرية وإطلاق الألقاب والتهديدات؛ والاجتماعي المتمثل بتجاهل الشخص وإهماله عن قصد؛ والنفسي من خلال النظرات المشينة والتلاعب بالمشاعر؛ والإلكتروني بواسطة التعليقات والصور والمنشورات المسيئة وصولاً إلى التهديد عبر رسائل إلكترونية.

كل طفل يتأثر بطريقة مختلفة عن الآخر وذلك بسبب الاختلافات في الشخصية وشدّة الفعل المسيء ومدّته. ومن الآثار التي يتركها التنمّر لدى الطفل، فقدان الثقة بالنفس، وانعدام التركيز، والتراجع في الدراسة، والارتباك الاجتماعي بحيث يصبح التواصل مع الآخرين صعباً بالنسبة له بسبب خوفه من الآخرين، والاكتئاب والقلق، ومشاكل نفسية أخرى قد تؤدّي إلى الانتحار.

صراع غير متكافئ

تعرّضت سارة منذ صغرها للتنمّر، لا سيّما عندما كانت تنتقل من مدرسة إلى أخرى. كلّما ارتادت مدرسة، كانت توسَم بتسمية "الجديدة"، إذ لا يناديها أحد باسمها أو يلعب معها، حتى بات يلازمها دائماً الشعور بأنها "غريبة". لجأت لأساليب عديدة كي تتقرّب من الآخرين و"تندمج" معهم، فحاولت مراراً وتكراراً التصرّف مثل معنّفيها إذ سعت لأن تقلّدهم بكلامها وتصرّفاتها كي تشبههم. كما عمدت أيضاً إلى كتابة رسائل صداقة لهم وقطف الزهور من حديقة بيتها لتقدّمها لهم علّها تشعرهم بأنها قريبة منهم. إلّا أنّ ابنة التسع سنوات لم تلقَ تجاوباً: لم تذق طعم اللعب مع الأولاد في طفولتها، لأنّ الجميع كان ينظر إليها نظرة استغراب وازدراء. لم تعش تلك الطفولة التي يحقّ لكل ولد بها.

ومن غرائب الأمور أنّ سارة لم تتعرّض فقط لتنمّر الأطفال الذين لا يدركون ما يسبّبه التنمّر من جروح نفسية عميقة لدى الضحية. بل كانت أيضاً عرضةً لإساءات الراشدين الذين لا بدّ أنهم يدركون تماماً حجم المخاطر التي يسبّبها لها أداؤهم الجارح بحقّها. وسبب كل ذلك؟ جسدها السمين. أولى الانتقادات المؤذية أتتها من الأقرباء. كانوا يشبّهونها بـ"البقرة"، كما كان بعضهم يلقبّها بـ "كاسرة الميزان". وآخرون يقولون عنها إنها حامل ويقارنونها بأختها النحيلة. وهي لا تزال، حتى اليوم، عرضةً لتنمّر الأقربين والأبعدين. حتى وصل بها الأمر لدرجة مشاركة "جلّاديها" النكتة والفكاهة فقط لتشعر بالاندماج معهم فيما كانت "تتقطّع من الداخل" بسبب تلك النظرة الظالمة التي خصّها بها محيطها... إلى أن انخرطت في مجالي التمثيل والإخراج وحازت على دور في مسلسل لبناني. آنذاك، بلغ التنمّر بحقّها ذروته. وكأنّ الظهور على شاشة التلفيزيون والتمثيل هما فقط من حقّ من لديهم "الجسد المثالي"! ولكن، ما هي معايير ذاك الجسد؟! كانوا يعيّرونها بأنها "تغطّي إطار الصورة". وتعليقاً على المشهد الذي تؤدّي فيه دور الحامل، قالوا لها إن لا داعي لوضعها أي "أكسسوار" لتظهر حاملاً...

سبّبت هذه الأقوال والعبارات لسارة، خلال التصوير، نوبة هلع وتسارع في دقّات قلبها وصعوبة في التنفس، جرّاء كبتها في داخلها لكل الحزن الذي كانت تقاسي منه. لكنها قرّرت أن تضع حدّاً نهائياً لمحاولات التنمّر عليها. فهي كانت مقتنعة بشكل جسدها، بل متأكّدة بأن لا داعي لأن تغيّر مظهرها إرضاءً للآخرين ما دامت صحّتها بخير. كما أدركت تماماً أنّ المشكلة تكمن في نفسيات الآخرين لا فيها، فأصبحت تردّ لهم الصاع صاعين.

القرار الحاسم

لم تخبر سارة يوماً أهلها بما كان يحدث معها مراعاةً للصورة التي رسمها والداها عنها، أي صاحبة الشخصية القوية القادرة على الدفاع عن نفسها. فقد كانت تخجل أن تخبرهما بما تتعرّض له كي لا تمسّ بتلك الصورة، وحتى لا يعيّراها بأنها ضعيفة. لم يدافع أحد عنها. فحاولت أن تتقي شرّ منتقديها باتباع حميات غذائية علّها تفقد بعضاً من وزنها، لكنها سرعان ما كانت توقف تلك المحاولات التي لا تعود عليها بأيّة فائدة.

إثر وفاة والدتها وبعد قراءاتها المتعدّدة للاطلاع على سبل مواجهة التنمّر، قرّرت اللجوء إلى أطباء نفسيين لمساعدتها على الخروج من دوّامة عذابها. جرّبت العديد من أنواع العلاج النفسي، وكان آخرها فعّال إذ استطاعت طبيبتها بفضله أن تخرجها من أزمتها النفسية، وأن تجعلها تحبّ نفسها: بدأت سارة الكبيرة تكتب رسائل لسارة الصغيرة؛ رسائل حب ودعم وتشجيع ومساندة؛ رسائل تردّ فيها على كل المنتقدين والمتنمّرين؛ رسائل تنتفض من خلالها على الأذى الذي تعرّضت له في صغرها وتفجّر كل ما كانت عاجزة عن قوله في السابق. فالمشكلة، كما تبيّن لسارة، أنها كانت لا تحبّ نفسها، فكانت تلجأ إلى الطعام بشكل مستمرّ لتتخطّى حزنها وتملأ الفراغ الذي كان يخنقها. انتصرت على ما ومن كان يؤذيها، وفقدت ٨ كيلوغرامات من وزنها في وقت قصير.

مواجهة تربوية

لأنّ قصة سارة شبيهة بقصص أطفال كُثر، عمدت وزارة التربية إلى دمج موضوع التنمّر ومخاطره في المنهج التعليمي. وتمّ اعتماد الإرشاد التربوي في المدارس سبيلاً لتوعية التلاميذ على ماهية التنمّر وتداعياته على الأفراد والمجتمع، وتوجيه الأساتذة كي يتنبّهوا إلى أيّ سلوك عدواني يظهره الأطفال بعضهم تجاه البعض الآخر فيمنعونهم عنه. وفي المدارس الخاصة، بدأ العمل منذ سنوات بهذا الاتجاه، كما يتواجد في معظم هذه المدارس أخصّائي نفسي يساعد الأولاد على مواجهة مختلف أنواع التنمّر التي قد يتعرّضون لها والحدّ من التأثيرات النفسية لهكذا ممارسات عليهم.

مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وفي موازاة ازدياد جرأة ضحايا التنمّر للحديث عن معاناتهم وسبل مواجهتها، ارتفع أيضاً منسوب التنمّر عبر استخدام تقنيات الفيديو والصور والتعليقات السلبية. مكافحة هذه الظاهرة، في العالمين الفعلي والرقمي، تمرّ إلزامياً بتوعية الأهل واللجوء إلى طبيب نفسي: أي انفعال شديد لدى الطفل أو انطواء على النفس أو، على العكس، أي حركة غير معتادة بداعي الانشغال ونسيان الأذى اللاحق به، إضافةً للتراجع في الدراسة وعدم تناول الطعام أو الأكل بشراهة، ... مؤشرات تستدعي استشارة طبية إلزامية.

كل ما نقص سارة الصغيرة تكتبه لها سارة الكبيرة. تنتبه عليها وكأنها مولودها الجديد. وتقول لها دائماً: "لا تخافي، أنت جميلة كما أنت، وأنا أحميكِ".




شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك