لماذا يفاجئكم نصر الله؟ كلُّهم مكلَّفون

03/08/2022 10:13AM

المقالات المُذيّلة بأسماء كاتبيها تُعبّر عن آرائهم الخاصّة، وليس بالضرورة عن رأي موقع "السياسة"

كتب قزحيا ساسين في "السياسة":

لا يمكن أن يأتمر حزب جهاديّ من أيّ مرجعيّة ليست جزءا منه، ومتمثِّلة برأس هرَمِه. فهل كان اللبنانيّون يتوقّعون من الأمين العامّ للمقاومة الإسلاميّة، فرع لبنان، أن يعلن قبوله بمشاركة السلطة اللبنانيّة في قرارات السلم والحرب؟

نحن شعب يساير سياسيّا بِحسب مشيئة الزعيم ومصلحته العليا، ولذلك، لا نسمّي الأمور بأسمائها، ونتبع سنّة الزعيم في الوصف، الذي قد يتعارض بين يوم وآخر، للمسألة نفسها.

ليس جديدا ما قاله أمس المجاهد الأوّل في حزب الله، وقد أتت رايته كناية عن آية قرآنيّة "فإنّ حزبَ الله هم الغالبون"، أمّا البندقيّة فترفعها "همزة" الله.

لا ينتظر أحد من السيّد نصر الله أن يُظهر له تركيبة حزب ديمقراطيّة، ينطلق فيها الرأي من القاعدة، مُلزِما رأس الهرم. غير أنّ التصريح بالحُكم الإلهيّ، أو ما يعادله دلالةً، لم يعُد مأنوسًا على مستوى الإعلام، وعليه، فإنّ هناك مَن صدمَه تصريح نصر الله بأنّه مكلَّف من الله مباشرة، بما يقوم به من نشاطات جهاديّة. 

وفي الواقع، نجد السواد الأعظم من زعماء الأحزاب عندنا، ومن زعماء الإقطاع الموروث، مكلَّفًا هو أيضا. 

إنّ هؤلاء، جميعهم، أبادوا الديمقراطيّة في أحزابهم، وجماعاتهم، وطرحوا أنفسهم بديلا من الديمقراطيّة، فالزعيم يقرّر، والجماهير تهتف. إذًا، من حيث النتيجة، كلّهم مكلّفون. كلّهم لا يحتاجون قواعدهم على مستوى الرأي. ما يعني أنّهم يحكمون بتكليف ما. يمكن أن يكون من الله، ويمكن أن يكون من شيطان السّلطة المقيم سائدا ومائدا فيهم.

إنّ أيّ اغتيال لرأي القاعدة الحزبيّة يشكّل المدماك الأساسيّ في صرح الحُكم الديكتاتوريّ. وقد رمى الزمن وراءه هؤلاء المتسلّقين معاناة الناس وتضحياتهم وعظامهم للوصول إلى السلطة. لكنّنا، ولشديد الأسف، لا نزال نتنازل كشعب، مسيَّس في حزب، أو خارجَه، عن حقّنا في نقد كلّ مَن وما يجب أن يُنقَدا، الأمر الذي كرَّس بضعة زعماء إقطاعيّين مكلَّفِين أبديّين، ليس لأنّ الله يريدهم، إنّما لأنّنا نحن لا نجرؤ على اغتيالهم في وجداننا.

ولافِت جدًّا، في مجتمعنا، إحاطة جماهير الأحزاب زعماءها بالرعاية السماويّة، وعلى سبيل المثال "عَونَك جايِه من ألله"... وحقيقة الأمر أنّ الله لا يكلّف أحدا إلّا بنفسِه، وبهذا المعنى كلّ الناس مكلَّفون، لِخير الناس كلِّهم. وما ادّعاء أيّ كان بتكليف إلهيّ، أو بقدرته على الاستغناء عن رأي الناس، سوى تنازُل للناس عن وجودهم بملء إرادتهم في معظم الأحيان، وإلّا لماذا  نعيش نحن في وطن يُختصَر أكثر من نصف شعبه ببضعة زعماء؟

وعسى ألّا نكون نشهد اليوم نهاية وطن المكلَّفين، بعدما غادرَه شعبُه وهو لا يزال يقيم فيه.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك