أقفَلَت بيوت الناس... والناس يقفلونها

19/09/2022 09:22AM

المقالات المُذيّلة بأسماء كاتبيها تُعبّر عن آرائهم الخاصّة، وليس بالضرورة عن رأي موقع "السياسة"

كتب قزحيا ساسين في "السياسة":

لا أحد يستطيع أن يعتبر اقتحام المصارف قانونيّا. ولا أحد يستطيع أن ينفي الظّلم القاتل، الواقع على أصحاب الودائع المسلوبة. فالمقتحمون هم أصحاب حقّ، وإن كان القانون في مسألة الاقتحام يتعارَض مع الحقّ.

ممّا لا شكّ فيه أنّ قوى سياسيّة معيّنة قد ترتاح لهذه الفوضى، وقوى أخرى ستعارضها، ولكلّ من الفريقين مصالح في مواقفه. وبات من المؤكّد أنّ زعماء السياسة، وأباطرة المال عندنا، قد هرّبوا ثرواتهم إلى الخارج، في الوقت المناسب، وذلك بالتنسيق مع أصحاب المصارف. والسياسيّ الذي يدافع عن المصارف، سواء لأنّه هرّب أمواله بمساعدتها، أو لأنّ أمواله هي في الخارج من قبل الأزمة، هو لا يثق بالمصارف اللبنانيّة، وكلامه في مديحها باطِل.

تعتمد المصارف بقيادة الحاكم رياض سلامه سياسة تذويب الودائع، وليس عندها أيّ حلّ، لأنّها ترفض أن تعرّض نفسها للإفلاس، وتتساوى بالمودِعين الذين أفلسَتهم، بالتكافل والتضامن مع المنظومة السياسيّة.

المعادَلة واضحة: المصارف يجب أن تبقى واقفة على أرجلنا، لا أرجلها. السياسيّون نجوا بريشهم. التجّار الكبار يزدادون ثراء على حساب فقرنا.

وفي ظلّ هذه المعادلة، التي يحميها القانون، بينما أهلُها ليسوا على حقّ، نجد أصحاب الحقّ يُهَوَّل عليهم ويهَدَّدون بالقانون.

ماذا فعَلَت الدولة لِصغار المُودِعين؟ أي لِلنّاس. فهؤلاء هم السّواد الأعظم المسروق على عينك يا تاجر، وعلى عينك يا دولة. فبدَلَ أن تساعدَهم لأنّهم مسروقون، وصاروا على الأرض يا حَكَم، قطعَت عن مرضاهم أدوية السرطان، وزادت الضرائب، وضحكَت عليهم في وظائفهم بمبالغ ماليّة هزيلة تزيدهم ذلّا وألمًا...

الدولة والمصارف وزعماء الأحزاب المستأثرون بالقرار هم مَن أوصلوا الناس إلى اقتحام المصارف للحصول على أموالهم الحلال.

أمّا الكلام على ارتداد الاقتحامات سلبا على المودعين، فهو من باب التهويل والإمعان في سرقتِهم، لأنّ هؤلاء كانوا ولا يزالون يطلبون حلّا لمشكلتهم، التي تساوي حياتهم. بينما أهل المصارف والمنظومة الحاكمة يُسَوّفون ويكذبون، متهرّبين من دفع الثمن الواجب عليهم أوّلا.

إنّ المصارف على الطرقات، والناس يعرفون أنّ أموالهم المسروقة موجودة فيها، فإلى متى سينتظرون مرضاهم ليموتوا أمام عيونهم، في حين أنّهم يستطيعون الدخول إلى المصارف، واسترجاع ما تيَسَّر من مالهم؟

وإذا كان المقتحمون على حقّ، فلا أحد يُنكر الواقع الذي يعيشه موظّفو المصارف، الذين لا ناقة لهم ولا جمل في ما يجري. وهم الذين طالما يضعهم أصحاب المصارف في مواجهة الناس، بتدابير وقوانين وإجراءات طارئة، مع كلّ صباح. هؤلاء هم المظلومون الوحيدون، في ظاهرة اقتحام المصارف. والمقتحمون لا يستهدفون حياتهم بشكل جدّيّ، وإن هدّدوا. وما حصل من اقتحامات حتّى الساعة يُظهر ذلك. وليس المطلوب من موظّف أن يواجه مقتحِما، فالمسألة تُترَك لقوى الأمن، وبالتالي للمرجعيّات القانونيّة.

ومن الملاحظ أيضا أنّ المقتحم يسلّم نفسه للقوى الأمنيّة، بعد أن يكون قد أنهى مهمّته. ما يعني أنّه ليس صاحب نيّة جرميّة، إنّما هو مواطن لبنانيّ، وحالته المادّيّة المأساويّة لا تحتاج دليلا.

من تفجير مرفأ بيروت إلى اقتحام المصارف، نحن في دولة، أهل الباطل فيها يُمسِكون بالقانون، وأهل الحقّ فيها يطلب القانون رأسَهم. فمتى يلتقي القانون والحقّ عندنا؟


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك