رسوم الإقامة في جهنّم... إلى ارتفاع

20/09/2022 11:03AM

المقالات المُذيّلة بأسماء كاتبيها تُعبّر عن آرائهم الخاصّة، وليس بالضرورة عن رأي موقع "السياسة"

كتب قزحيا ساسين في "السياسة":

صار من المؤكَّد أنّ هندسة الانهيار الماليّ والاجتماعيّ هي من صنع المنظومة السياسيّة التجويعيّة، وأصحاب المصارف بقيادة المايسترو رياض سلامة. 

في مرحلة سابقة، حاول هؤلاء ذَرّ غبار فضائحهم في عيوننا، فشاهدنا مسرحيّة سخيفة، من إنتاجهم تقضي بملاحقة الصيارفة، الذين لا يلتزمون بسعر الصّرف الرسميّ. وما إن انتهت هذه المسرحيّة الخادعة، حتّى نشأت منصّة صيرفة، التي أوحت للناس بأنّها ستمسك بِعُنق الدولار، وتجرّه نزولا نحو بيت الطاعة. وسرعان ما تبيَّن أنّ السوق السوداء للصّرف هي صناعة محلّيّة، ليس أهل المصارف والمنظومة بريئين منها. فباتوا يُغروننا ببضع مئات من الدولار، نصطادها من صيرفة، ونردّها ليرة لبنانيّة عبر منصّة السوق السوداء، ونجد في ذلك فرحًا وإن لم يكُن عظيمًا. ما يعني، بعدما أوحى أهل الحلّ والربط، ماليّا وسياسيّا، أنّهم يسعون لخيرنا وخير الليرة، أظهَروا بوضوح أنّهم مُنشِئو السوق التي أخذت لون ضمائرهم. ولهم من هذا الإنجاز المدمّر أهداف كثيرة، ليس أوّلها تنفيس احتقان ناسِنا المرميّين على أرصفة الذلّ والحاجة، وليس آخرها الصفقات الكبيرة، التي لا يستطيعها سوى كبار التجّار، بالتواطؤ مع أهل السلطة والمصارف.

إذًا، إنّ منظومة السياسة ومنظومة المال متّفقتان على سلب اللبانيّين ما بقي لهم من حياة. وعليه، فإنّ الانهيار الماليّ الكارثيّ لن يُطِيح بهما. وما الهجوم من حين إلى آخر على الحاكم رياض سلامه سوى هجوم مدروس ومحدود، فسلامه حاجة ماسّة لكلّ القوى السياسيّة، على اختلاف مواقفها منه.

والسلطة التي لا تريد التصرُّف الحازم والشفّاف في مسألة توحيد سعر الصرف، وإزالة خيام الصرّافين العملاقة من ساحة السوق السوداء، مصرّة أيضًا على تشريع اللاحدود بين لبنان وسوريا، لاعتبارات سياسيّة وأمنيّة، يفرضها حزب الله والقوى السياسيّة التي تسير بمشيئته. فالتهريب سيبقى ناشطُا بلا حسيب أو رقيب، الأمر الذي سيسرّع الانهيار الماليّ والاجتماعي والأمنيّ، لأنّ الحدود السوريّة صالحة لأكثر من غاية.

وإذا راقبنا سكوت المعنيّين عن إعادة هيكلة المصارف، عرفنا أنّ أصحاب المصارف متّفقون على ألّا يأكل كبيرُهم صغيرَهم، وألّا يدفعوا من جيوبهم ما يتوجّب عليهم من ثمن الحلّ ومحاولة الإنقاذ.

فالموازنة التي تتخبّط فيها الدولة تحت سقف المجلس النيابيّ ستكون حجّة لصندوق النقد الدوليّ، ليصرف النظر عن أيّ خطوة إيجابيّة عاجِلة نحوَنا. ودول العالم ليست على غباء، لتملأ خزينة دولة أعجز من أن توحّد سعر صرف الدولار فيها، وتحمي حدودها من نزيف لم تعد لها القدرة عليه، وترسم استراتيجيّة مصرفيّة واضحة ومتماسكة، تبدأ بإعادة هيكلة المصارف، وتنتهي بتأمين دَورة ماليّة سليمة تسترجع ثقة الزبائن والمستثمرين.

إنّ أصعب ما يواجهه اللبنانيّون، اليوم، أنّ هذه السلطة التي لن تكسب ثقة المجتمع الدوليّ، ومِن تهمّه مساعدة لبنان منه، هي من صناعة اللبنانيّين أنفسهم، من خلال الانتخابات النيابيّة الأخيرة. ما يعني أنّنا أمام جلجلة طويلة ستكبر صلبانُها يومًا بعد يوم، إلّا إذا حدثَ دوليّا، أو إقليميّا، ما يُمكن أن يأتي بالخير لنا. وقد يكون الفراغ الرئاسيّ المحتمَل مؤشِّرا لمزيد من الانهيار، أو قد يكون انتخاب رئيس للجمهوريّة بداية للخروج من بطن الحوت أو تمديدًا للإقامة فيه.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك