لبنان: جلسة الـ «لا انتخاب» الرئاسية... «ترسيم أحجام» في الطريق إلى التوافق

30/09/2022 06:47AM

كتبت "الراي الكويتية":

لم تَخْرُج جلسةُ الـ «لا انتخابِ» الرئاسية في لبنان أمس، عن «مكتوبٍ» عاد ودُمغ في ختامِها بعنوانِ «التوافق أو لا رئيس» الذي يُفترض أن يطبعَ المسارَ المفتوحَ لاستحقاقٍ لن يُرسم خطُّ النهاية له قبل العبور في «ممرٍّ إلزامي» هو الشغور الذي سيشكّل «محطةَ انتظارٍ» لنضوجِ أو إنضاج تسويةٍ بمرتكزات إقليمية.

قرابة الـ 11 من قبل الظهر، قُرع الجرس في البرلمان اللبناني إيذاناً ببدء أولى جلسات الانتخاب الرئاسية التي جاءت مع انتصاف المهلة الدستورية المتاحة لاختيار خلَف للرئيس ميشال عون الذي تنتهي ولايته في 31 اكتوبر المقبل.


نصاب الثلثين (86 نائباً من 128 يتألف منهم البرلمان) وأكثر تَأمَّن بحضو 122 نائباً، والصندوقة الزجاجية جُهِّزت في منتصف القاعة ووُضعت بـ «أمانِ» نائبين عُهد إليهما «حراسة» عملية إسقاط المغلّفات (تحتوي أوراق الاقتراع السرّي) فيها، ووسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية كانت على الموعد لجلسة افتتاحِ ما بدا في الوقت نفسه «بازاراً» رئاسياً وعمليةَ «استطلاعٍ» بالأرقام للقوى وتَمَرْكُزها على ضفّتيْ ائتلاف «حزب الله» - حلفاؤه وخصومه، و«انتخاباتٍ تمهيدية» داخل تكتلاتٍ نيابية وبين مكوّناتها.

الجلسة لم تَتَطَلّبْ أكثر من ساعةٍ وانعقدت بدورتِها الأولى التي تشترط كي يفوز المرشّح فيها أن يحظى بغالبية الـ 86 صوتاً، قبل أن يتمّ تطيير دورتها الثانية التي يبقى فيها النصاب القانوني الثلثين ولكن الفوز فيها يكون بالنصف زائد واحد أي 65 صوتاً.

وأبرز خلاصاتها أن التوازن السلبي الذي أفرزتْه انتخابات مايو الماضي النيابية تَظَهَّر مجدداً بما عَكَسَ استحالة إحداث اختراقٍ في الاصطفافاتِ من خارج جسر توافقٍ، وهي الكلمة التي تُعتبر «الاسم الحَرَكي» أقله حتى الآن لتسويةٍ... مجهولة باقي الهوية.

ولم يكن من قبيل الصدفة أن يتعمّد «حزب الله» وحلفاؤه الذين يملكون 61 نائباً (مع كتلة بري وتكتل لبنان القوي برئاسة النائب جبران باسيل والطاشناق و«المردة» وبعض النواب المستقلين)، خوضَ جلسة افتتاح السباق الرئاسي رسمياً تحت قبة البرلمان بأكثر من «مرشح شبح» اختبأوا وراء كتلة الأوراق البيض الـ 63 (نَزَح إليها أيضاً نائبان من المعارضة رُجِّح أنهما أسامة سعد وعبدالرحمن البزري) التي كانت «التمويهَ الاضطراري» لغياب توافق داخل هذا الائتلاف على اسم واحد، وتحديداً بين باسيل وزعيم «تيار المردة» سليمان فرنجية اللذين يعطّل كل منهما ترشيح الآخَر ويحول دون توحُّد الموالاة على شخصية تقارع بها خصومها.

ورغم أن الأوراق البيض كان لها «الصوت الأعلى عددياً» بوجه الأصوات التي نالها مرشّح «الغالبية» في المعارضة النائب ميشال معوّض (36 صوتاً)، إلا أنها لم تعبّر عن «بلوك» متراصّ بمقدار ما أن الـ 61 صوتاً صامتاً اعتُبرت مؤشراً إلى «تناحُر أقلياتٍ» داخل الموالاة على الرئاسة، كما هو الحال بين باسيل وفرنجية، وفي الوقت نفسه إلى عدم رغبةٍ في «حرْق أسماء» من أول الطريق الانتخابي عبر «تعريتها» رقمياً ولا سيما في ظلّ محاذرة «حزب الله» منذ الآن جره إلى مفاضلةٍ مكشوفة بين حليفيْه رئيس «التيار الوطني الحر» وزعيم «المردة».

ولوحظ أن حتى «التكتل الوطني المستقلّ» الذي يضم 4 نواب، بينهم نجل زعيم «المردة» طوني فرنجية، التزم الاحتجاب بالأبيض، في ما بدا رغبةً من فرنجية الأب بعدم حرق المراحل وترْك نفسه بمنأى عن عملية «التصفية» الأولى.

وإذا كانت جلسة الانتخاب لم تحْمل أي مفاجآت في مقلب «حزب الله» وحلفائه، فهي أتت مدجَّجة بالمفارقات على ضفة المعارضة، وفق الآتي:

* ان الكتل المعارضة أظهرت مجدداً امتلاكها «أكثرية مشتَّتة» عبّر عنها تبعثر 67 صوتاً بين:

- معوّض الذي نال 36 صوتاً (من كتل القوات اللبنانية - 19 والحزب التقدمي الاشتراكي - 8 والكتائب - 4 و«التجدد»- 4 والنائب بلال الحشيمي) وهناك 4 أصوات إضافية أعلنت تأييدها له ولكن أصحابها غابوا (بينهم النائبة ستريدا سمير جعجع)، نظراً إلى عامل المباغتة الذي شكله تحديد بري موعد جلسة الانتخاب قبل 48 ساعة، فيما غالبيتهم خارج لبنان.

- سليم اده الذي مَنَحه النواب التغييريون 11 صوتاً من 13 (غاب النائبان نجاة صليبا بداعي السفر وابرهيم منمينة لإصابته بفيروس كورونا المستجد).

علماً أن هذا الاسم لم يعلن لا ترشيحه ولا أبدى رغبته في ذلك، وهو نجل الوزير السابق ميشال إده ومن الشخصيّات اللبنانيّة المغتربة في باريس ومؤسس شركة «موركس» للمعلوماتيّة ومتحف «ميم» للمعادن.

وجاء اقتراع التغييريين له مفاجئاً وبمثابة قطْع للطريق على التباينات بين نواب هذه الكتلة حول اسم الخبير الدستوري والنائب السابق صلاح حنين، الذي كان مرجَّحاً أن تصب أصوات هؤلاء له، وتردَّد أيضاً أنه لم يتحمّس ليكون بمثابة «اسم للحرق المبكر».

- 10 أصوات اقترعت بورقة كُتب عليها «لبنان» وكانت لنواب تكتل «الاعتدال الوطني» وحلفاؤه نبيل بدر وعماد الحوت وجميل عبود وغالبيتهم من النواب السنّة من قدامى «تيار المستقبل».

- صوت للشابة الإيرانية مهسا أميني التي قضت بعد اعتقالها من قبل «شرطة الأخلاق» وفجّر مقتلها احتجاجات متواصلة منذ نحو أسبوعين في إيران.

- صوت لـ «نهج الرئيس رشيد كرامي»، وأعلن النائب كريم كبارة أنه هو الذي وَضَعه.

ولم يكن عابراً أنه بإزاء «تَخَفّي» الموالاة «بالأبيض»، جاهَرَ أطرافٌ في المعارضةِ بأن جلسة أمس كانت «انتخابات أولية تمهيدية» داخل المعارضة نفسها - أكثر منها بوجه «حزب الله» وحلفائه - حول الاسم الذي ينال بين صفوفها الأكثريةَ ليكون «المرشح الرئيسي» في الجلسات اللاحقة، وسط اعتبار أن الأصوات الأربعين «المضمونة» لمعوّض وأصوات «ورقة لبنان» التي بالإمكان جذْبها «في وقت الجَدّ» يجب أن تكون كفيلةً بجعل التغييريين يلتحقون بترشيح معوّض وإلا «ليتحمّلوا المسؤولية» أمام الرأي العام الذي بدا أن الأحزاب السيادية كانت تحاكيه أمس وتضع كتلة الـ 13 وجهاً لوجه أمامه.

ومع طيّ أولى جلسات الماراثون الرئاسي، سيسعى معوّض للانطلاق من الأصوات التي نالها في محاولةٍ لتوحيد المعارضة على اسمه، رغم اعتبار التغييريين أن عدم تأييده يرتكز على أنه ليس خارج الاصطفافات ولا يمكن أن يوفّر تَوافُقاً بالـ 86 صوتاً على انتخابه، وسط انطباعٍ بأن خصوم «حزب الله» الذين يدركون أن الموازين داخل البرلمان لا تسمح لهم بالتفرّد بإيصال رئيس يُنتخب بتأمين النصاب أولاً (وهي الغالبية التي لا تملكها لا الموالاة ولا المعارضة منفردةً)، يسعون لتوسيع بيكار التأييد لمعوّض، نجل الرئيس الراحل رينيه معوض، في الأسابيع المقبلة، بهدف إرساء «معادلة توازُن» مع الفريق الآخر، حين تدق ساعة التوافق.

ولم يكن عابراً أن «يذكّر» بري في ختام الجلسة التي طيّرت كتلته و«حزب الله» وآخرين نصاب دورتها الثانية، بما سبق أن أعلنه من أنه «إذا لم يكن هناك توافق واذا لم نكن 128 صوتاً، لن نتمكن من إنقاذ المجلس النيابي ولا لبنان. وعندما أرى أن هناك توافقاً سأدعو فوراً الى جلسة لاحقة واذا لا فلكل حادث حديث»، وسط توقف أوساط سياسية أيضاً عند كلام «حزب الله» عن مسألة التوافق.

ولاحظت هذه الأوساط أن «حزب الله» الذي سبق أن دفع بين ابريل 2014 واكتوبر 2016 باتجاه «توافُق قهري» على عون الذي أعلنه ومن اليوم الأول «مرشحاً إلى ما لا نهاية»، هو أقرب حتى اليوم إلى «توافق التسوية»، وكأن في الأمر إقراراً بصعوبة جرّ المعارضة للتسليم بفرنجية الذي يبقى صاحب الحظوظ الأعلى في ضفة الموالاة والذي لم يعلن الحزب بأي طريقة أنه سيخوض معركته على طريقة «فرنجية أو لا أحد».

من هنا، ترى الأوساط أن «حزب الله»، كما خصومه، يتعاطيان مع جلسات الانتخاب وكأنها لتحسين الشروط وتحصين المواقع على طاولة التسوية بما يعزز «حصة» كل منهما في «كعكة التسوية» ومَن يملك التسمية فيها ولمَن «الفيتو»، أو العكس، إلى ان يقع الخيار على الاسم «الذهبي» في التوقيت الإقليمي المناسب أو بعد إنهاك الجميع داخلياً بلعبة الفراغ الحتمي المرشّحة لأن يملأها:

إما شغب دستوري ما لم تكن وُلدت حكومة كاملة الصلاحيات.

وإما اضطراباتٌ في الشارع بفعل تَفاقُم مَظاهر تفلُّت الانهيار من كل الضوابط وفوضى فضائحية من السلطات في مقاربة الملفات الكبرى على غرار ما فعلت وزارة المال بإعلان تغيير سعر الصرف الرسمي مقابل الدولار من 1500 ليرة إلى 15 ألفاً ابتداءً من 1 نوفمبر قبل أن تتراجع، رابطة الأمر بإقرار خطة التعافي التي تعمل عليها الحكومة.

بصمات بري... شو قاعدين بقهوة؟

لم تمرّ جلسة الانتخاب من دون «بصمات» معهودة تركها الرئيس نبيه بري، الذي بادر وبعدما دبّت الفوضى أثناء توزيع الأوراق للبدء بالانتخاب متوجّهاً إلى النواب: «شو قاعدين بقهوة»؟

وحين سئل عن سبب عدم حضور رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الجلسة، ردّ بري: «ما من ضرورة لحضور الرئيس هذه الجلسة، وتواصلتُ معه وقلت إنه ليس هناك من داعٍ لحضورك».

وأضاف ممازحاً: «هناك وزيرٌ واحد يمكنه الحضور، وبدنا نخلص منو بهاليومين»، وذلك في إشارة إلى وزير الصناعة جورج بوشكيان، بصفته نائباً عن زحلة.

وبعدما طلب النائب نديم الجميل إحصاء الحضور وتوزيع الأوراق البيض والمغلفات، قال له رئيس البرلمان ممازحاً، بعدما «نهره»: «يبدو أنهم في حزب الكتائب لا يسمحون لك بالكلام، فجايي تحكي هون»!

وعقب تلاوة المواد الدّستوريّة الخاصّة بانتخاب رئيس للجمهوريّة، سأل نائب رئيس مجلس النّواب إلياس بوصعب عن طائفة رئيس الجمهوريّة، وإن كانت هناك أيّ مادّة دستوريّة تحتّم اختياره من الطائفة المارونية، فأجابه برّي «هذا عُرف... كأنّك طمعان فيها (ممازحاً)».

ولاحظ كثيرون بعد انتهاء الدورة الأولى من الانتخاب أن رئيس البرلمان تعمَّد إضاعة بعض الدقائق الثمينة التي أتاحت تطيير النصاب ما حال دون انعقاد الدورة الثانية.

وحين طلب بري إحصاء عدد النواب الحاضرين لتحديد إمكان افتتاح الدورة الثانية قيل له 85 نائباً، فأجاب: «جيبولنا واحد من برا»، قبل أن تتوالى الانسحابات من كتلته و«حزب الله» وآخَرين.

المصدر : الراي الكويتية

شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك