"نايا"... قتَلوها لأنّهم نجَحوا

27/08/2023 12:31PM

كتب قزحيا ساسين في "السياسة":

اليوم ستدخل الطفلة "نايا" إلى الكنيسة للمرّة الأخيرة. هي تحبّ يسوع كثيرا، وتصلّي له، ووعدته بأنّها ستواصل زيارته في بيته كلّ أحد، لكنّ رصاصةَ طائشٍ استقرّت في عنقها الطريّ، وصلبَت روحها على ألم جعله البِنج صامتا، طيلة ثلاثة وعشرين يوما، لتنزل الصغيرة عن صليبها الكبير، وتغفو في حضن مريم، أمّنا، وهي تغنّي لها: "يلّا تنام".

كانت "نايا" في ملعب مدرستها، في الحدت، تلهو مع رفاقها الصغار، ليمرّ الصّيف في ضحكة وفرح، قبل أن يعود موسم اللوح والطبشور الملوّن في أواخر أيلول. ولم يكن الصّباح يوحي بموت كثير، وثياب طاعنة في السّواد. فجأة، وقعت "نايا". ركض الجميع إليها. لم يعرف أحد حكاية الرّصاصة. اعتقد الجميع ببساطة الأمر. في أقلّ من نصف ساعة، نقلَها الصليب الأحمر إلى المستشفى. هناك، عرف الأطبّاء الحكاية القاتلة. هناك، بقِيَ ملاك مدرستنا ثلاثة وعشرين يومًا، مسَوَّرًا بالصّلاة، والانتظار الخائف.

حقيقة  الأمر أنّ ملاكَنا قُتِل، وأنّ موتَه ليس طبيعيّا، ولا هو قضاء وقدر. إنّ الذي أطلق النار محتفلا بنجاح طالب يخصّه في الامتحانات الرسميّة الشكليّة، تستطيع القوى الأمنيّة أن تصل إليه بسهولة، فمعَها وقت إطلاق النار، والمنطقة التي حصل فيها، استنادا إلى الوقت الذي أصيبت فيه "نايا". وعليه، إن لم تقُم القوى الأمنيّة بواجبها، فمن الطبيعيّ أن تكون قد غطّت القاتل، وشجّعَت على ازدياد هذا النوع من القَتَلة.

فلتصعد القوى الأمنيّة إلى أسطح البنايات في مدينة الحدَت وجوارها، وترَ بأمّ العين الرّصاص الوافِد من أفراح وأحزان المناطق المجاوِرة. إنّ المسألة تجتاز مأساة أهل "نايا" ومأساتنا الآن، فنحن في خطر دائم، ولا أحد يستطيع الشعور بالأمان في الحدت ومحيطها عند إطلاق النّار المُناسَباتيّ.

ولكي يكون الكلام موضوعيّا، ليس على الدولة أن تقوم وحدها بواجباتها، لأنّ الذي يطلق النار في وضح النهار، وفي المدن الآهلة لا يمكن أن يكون بلا غطاء سياسيّ، وعليه، إنّ على كلّ زعماء السياسة وآلهتها، عندنا، أن يُلزموا أتباعهم بعدم إطلاق النار في المناسبات. وإلّا، فإنّ هذه المصيبة ستبقى تطاردنا من موت إلى آخَر، وبمجّانيّة غير مقبولة.

نحن نعرف مَن قتَل ملاكَنا، ونحن لا نعرفه أيضا. من المُخيف أن نشعر، وبسبب رصاص المناسبات، أنّ منطقة تقتل منطقة أخرى. نحن لا نؤمن بهذه المعادلة. ففي مدارسنا، في الحدت وجوارها، نسيج طلّابيّ متعدّد دينيّا وجغرافيّا، وعندنا طلّاب من مختلف المطارح المجاورة للحدَت، ما يعني أنّ الخطر يطال الجميع، ولم يعد مسموحا بالتمادي في قتل الناس بهذه المجّانيّة المؤلمة.

نعم، نريد أن نعرف من قتل ملاكَنا. نريد أن تصل القوى الأمنيّة إليه، ليقول القضاء كلمته. ونعم أيضا، نريد أن نسامح، ونغفر، لكنّ المسامحة في غياب القانون والعدالة تُعتبَر ضعفا واستسلاما لشريعة الغاب.

وأنتِ يا صغيرتي "نايا"، ماذا أقول لكِ؟ قد يكون الله خائفا عليكِ من بشاعاتنا، فأذِنَ برجوعكِ طفلة إلى صدرِه الأبويّ.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa