06:29PM
في لحظة مصيرية من عمر لبنان، وصل البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان اليوم الأحد ومن قصر بعبدا وبعد كلمة رئيس الجمهورية جوزاف عون، ألقى قداسته كلمته أمام جمع من المسؤوليين السياسيين.
وجاء في كلمته، ما يلي:
حضرة الرئيس،
أصحاب السعادة من السلطات المدنية والدينية المحترمين،
أصحاب السعادة أعضاء السلك الدبلوماسي،
أيها السيدات والسادة،
طوبى لصانعي السلام!
إنه لفرح عظيم لي أن ألتقي بكم، وأن أزور هذه الأرض التي فيها السلام ليس مجرد كلمة، بل هو رغبة ودعوة؛ هو عطية وعمل جارٍ باستمرار. أنتم مُنِحتم السلطة في هذا البلد، كلٌّ في مجاله وبحسب دوره الخاص. وعلى ضوء هذه السلطة، أود أن أوجه إليكم كلمات يسوع التي اختيرت لتكون الموضوع المركزي لزيارتي:
«طوبى لصانعي السلام» (متى ٥: ٩).
هناك بالتأكيد ملايين اللبنانيين، هنا وفي العالم أجمع، يخدمون السلام بصمت، يوماً بعد يوم. لكن أنتم، الذين تقع على عاتقكم مسؤوليات مؤسسية مهمة في هذا الوطن، مدعوون إلى تطويب خاص إذا استطعتم أن تقولوا إنكم جعلتم هدف السلام فوق كل اعتبار. وفي هذا اللقاء، أود أن أتأمل معكم قليلاً في معنى أن يكون المرء صانع سلام في ظروف معقّدة وصراعية وغير مؤكدة إلى حد كبير.
إلى جانب جمال لبنان الطبيعي وغناه الثقافي، اللذين امتدحهما من سبقني من البابوات الذين زاروا بلدكم، هناك سمة مُشرقة تميّز اللبنانيين: أنتم شعب لا يستسلم، بل يعرف دائماً، أمام المحن، كيف ينهض من جديد بشجاعة. إن صمودكم هو سمة أساسية في صانعي السلام الحقيقيين، لأن عمل السلام هو في الواقع بداية متجددة على الدوام. ثم إن الالتزام ومحبة السلام لا يخافان من الهزيمة الظاهرية، ولا تزعزعُهما الخيبات، بل ينظران إلى الأمام، فيقبلان كل واقع ويرحبّان به برجاء. إن بناء السلام يتطلّب العناد في الخير، وحماية الحياة وتنميتها تتطلّبان المثابرة.
تأملوا في تاريخكم، واسألوا أنفسكم: من أين تأتي تلك الطاقة الهائلة التي لم تسمح لشعبكم يوماً أن يبقى مسحوقاً أو بلا رجاء؟ أنتم بلد متنوع، جماعة من جماعات، توحّدها لغة مشتركة. ولا أقصد فقط العربية المحكية في المشرق، التي أهدت التراث الإنساني كنوزاً لا تثمّن من الماضي العظيم، بل أعني قبل كل شيء لغة الرجاء، التي مكنتكم دائماً من البدء من جديد. ففي معظم أنحاء العالم من حولنا، يبدو أن نوعاً من التشاؤم والشعور بالعجز قد استولى على النفوس، حتى لم يعد الناس قادرين على أن يسألوا أنفسهم عمّا يمكنهم فعله لتغيير مجرى التاريخ. تُتخذ القرارات الكبرى غالباً من قبل قلّة مختارة، أحياناً على حساب الخير العام، وكأن ذلك قدر لا مفر منه. أنتم عانيتم كثيراً من نتائج «اقتصاد يقتل» (راجع الإرشاد الرسولي فرح الإنجيل، ٥٣)، ومن عدم الاستقرار العالمي الذي كانت له تداعيات مدمّرة أيضاً في المشرق، وكذلك من تطرّف الهويات والصراعات. ومع ذلك، أردتم دائماً، وعرفتم كيف، أن تبدأوا من جديد.
يستطيع لبنان أن يفتخر بمجتمع مدني نابض بالحياة، مثقف، غني بالشباب القادرين على التعبير عن أحلام وآمال الأمة كلها. لذلك أشجّعكم على ألا تنعزلوا عن شعبكم، بل أن تضعوا أنفسكم، بكل التزام وتفانٍ، في خدمته، هذا الشعب الذي يتميّز بغنى التنوع. ليكن لسانكم جميعاً لغة واحدة، هي لغة الرجاء التي، من خلال البدء المتواصل من جديد، تجمع الكل. وليُسهم توقكم إلى العيش والنمو كـشعب واحد في خلق صوت واحد متعدد النغمات من كل جماعة. وليساعدكم أيضاً في هذا تلك الروابط العميقة من المحبّة التي تشدّ عدداً كبيراً من اللبنانيين المنتشرين في العالم إلى وطنهم. إنهم يحبّون جذورهم ويصلّون من أجل الشعب الذي لا يزالون يشعرون أنهم جزء منه. كما يدعمونه من خلال خبراتهم ومهاراتهم الكثيرة التي تجعلهم موضع تقدير في كل مكان.
وهذا يقودنا إلى سمة ثانية من سمات صنّاع السلام: فهم لا يعرفون فقط كيف يبدؤون من جديد، بل يفعلون ذلك أولاً وقبل كل شيء على درب المصالحة الشاقة. إذ إن هناك جراحاً شخصية وجماعية تحتاج إلى سنوات طويلة، وأحياناً إلى أجيال كاملة، لتلتئم. وإن لم تُعالَج هذه الجراح، وإن لم نعمل، على سبيل المثال، على شفاء الذاكرة، وعلى التقريب بين الذين تعرّضوا للظلم والاعتداء، فسيصعب علينا أن نسير نحو السلام. سنظل عالقين في أماكننا، كلٌّ أسير ألمه الخاص وطريقته الخاصة في التفكير. أما الحقيقة، بالمقابل، فلا يمكن إكرامها إلا من خلال اللقاء المتبادل.
كل واحد منا يرى جزءاً من الحقيقة ويعرف وجهاً واحداً منها؛ ولا يمكننا أن ننفي ما لا يعرفه إلا الآخر، وما لا يراه إلا الآخر. إن الحقيقة والمصالحة تنموان معاً دائماً، سواء في العائلة، أو بين مختلف الجماعات ومكوّنات شعب واحد، أو بين الدول.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن تقوم مصالحة حقيقية ودائمة من دون هدف مشترك، أو من دون انفتاح على مستقبل ينتصر فيه الخير على الشرور التي عانيناها أو ألحقناها بالآخرين في الماضي أو في الحاضر. إن ثقافة المصالحة لا تنشأ فقط من الأسفل، من إرادة وشجاعة قلة من الأشخاص. إنها تحتاج أيضاً إلى سلطات ومؤسسات تعترف بأن الخير العام يسمو على المصالح الخاصة. فالخير العام هو أكثر من مجرد مجموع المصالح الفردية، لأنه يجمع أهداف الجميع في إطار مشترك قدر الإمكان، ويوجّهها بحيث ينال كل فرد أكثر مما لو تحرك وحده. إن السلام هو، في الواقع، أكثر بكثير من مجرد توازن – وهو توازن هش دائماً – بين أشخاص يعيشون منفصلين تحت سقف واحد. السلام هو أن نحسن العيش معاً، في شركة، كأناس متصالحين. مصالحة لا تتيح لنا العيش سوية فحسب، بل تعلّمنا أيضاً العمل معاً من أجل مستقبل مشترك، جنباً إلى جنب. وهكذا يصبح السلام فيضاً يفاجئنا عندما تتخطى آفاقنا كل جدار وحاجز.
أحياناً نظن أننا، قبل أن نتقدم خطوة إضافية، بحاجة إلى توضيح كل شيء وحلّ كل شيء. لكن الحوار المتبادل، حتى وسط سوء الفهم، هو الطريق الذي يقود إلى المصالحة. إن الحقيقة الكبرى هي أننا نجد أنفسنا معاً جزءاً من مخطّط أعدّه الله لكي نصبح عائلة واحدة.
أخيراً، أود أن أشير إلى سمة ثالثة لدى الذين يجاهدون من أجل السلام: إنهم يجرؤون على المثابرة حتى عندما يتطلّب الأمر تضحية. ثمة أوقات يكون فيها الهروب أسهل، أو يكون الارتحال إلى مكان آخر أكثر راحة. لكن البقاء في الوطن أو العودة إليه، واعتبار الأوضاع الصعبة نفسها جديرة بالمحبّة وبذل الذات، يتطلبان شجاعة حقيقية وبصيرة بعيدة. نعرف أنه هنا، كما في أجزاء أخرى من العالم، تدفع ظروف عدم اليقين والعنف والفقر وتهديدات عديدة أخرى، الشباب والعائلات إلى الرحيل بحثاً عن مستقبل في مكان آخر، رغم ما في مغادرة الوطن من ألم عميق.
لا بدّ، بالطبع، من الإقرار بأن في انتشار اللبنانيين في العالم خيراً كبيراً يمكن أن يعود على الجميع. لكن يجب ألا ننسى أن البقاء في أرضنا والعمل يوماً بعد يوم على تنمية حضارة المحبة والسلام، يبقى أمراً ثميناً للغاية.
إن الكنيسة لا تهتم فقط بكرامة الذين يغادرون أوطانهم؛ إنها لا تريد أن يُجبَر أحد على ترك بلده. كما تريد الكنيسة أن يتمكن الذين يرغبون بالعودة إلى أوطانهم من فعل ذلك بأمان. وإذا كانت حركة البشر تمثّل فرصة كبيرة للقاء والإغناء المتبادل، فهي لا تلغي الروابط الخاصة التي تشدّ كل شخص إلى أماكن معينة يدين لها بهويته على نحو مميّز. ثم إن السلام ينمو دائماً في سياق ملموس حيّ، يتكوّن من روابط جغرافية وتاريخية وروحية. نحن بحاجة إلى تشجيع الذين يغذّون هذه الروابط ويحافظون عليها، من دون السقوط في فخّ الفئوية أو القومية المتعصّبة.
في رسالته العامة كلنا إخوة (Fratelli Tutti)، أشار البابا فرنسيس إلى الطريق الواجب اتباعه:
«نحتاج إلى نظرة عالمية واسعة لننقذ أنفسنا من الانغلاق في أفق ضيّق. فعندما يتوقف بيتنا عن أن يكون مكاناً حميماً ويصبح قفصاً، تأتي النظرة العالمية لتنتشلنا، كـ"قضية نهائية" تدفعنا نحو كمالنا. وفي الوقت نفسه، يجب أن نحتضن المحلي بشوق، لأنه يحمل شيئاً لا تحمله العالمية: فهو قادر أن يكون خميرة، ومصدر إثراء، ومحركاً لآليات التدرّج واللامركزية. وهكذا تصبح الأخوّة الكونية والصداقة الاجتماعية قطبين لا ينفصلان، وهما ضروريان في كل مجتمع» (رقم ١٤٢).
إن تحدّياً مطروحاً، ليس أمام لبنان وحده بل أمام المشرق كله، هو: ماذا يمكن أن نفعل كي لا يشعر الشباب، خصوصاً، بأنهم مضطرون إلى مغادرة وطنهم والهجرة؟ كيف نشجعهم على ألا يطلبوا السلام في مكان آخر، بل أن يجدوا ضمانات السلام ويصبحوا هم أنفسهم صانعيه في أرضهم الأم؟ في هذا المجال، يُدعى المسيحيون والمسلمون معاً، وكل المكوّنات الدينية والمدنية في المجتمع اللبناني، إلى القيام بدورهم، وإلى الالتزام في العمل على رفع مستوى الوعي بهذه القضية لدى المجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، أود أن أؤكد على الدور الأساسي للمرأة في الجهد الشاق والصبور للحفاظ على السلام وبنائه. لا ننسينّ أن للنساء قدرة خاصة على صنع السلام، لأنهن يعرفن كيف يعتنين بالروابط العميقة مع الحياة والناس والأماكن، وكيف يعزّزنها. إن مشاركتهن في الحياة الاجتماعية والسياسية، وكذلك في جماعاتهن الدينية، تمثّل عاملاً حقيقياً من عوامل التجديد في العالم كله، وكذلك الطاقة المتدفقة من الشباب. طوبى إذن لصانعي السلام، وطوبى للشباب الذين يبقون أو يعودون لكي يكون لبنان من جديد أرضاً مملوءة بالحياة.
أختم بالاستلهام من سمة ثمينة أخرى من تقاليدكم الضاربة في جذور التاريخ. أنتم شعب يحبّ الموسيقى. وفي أيام الأعياد، تتحول الموسيقى إلى رقصة، أي إلى لغة الفرح والشركة. هذا البعد من ثقافتكم يساعدنا على فهم أن السلام ليس فقط ثمرة جهد بشري، مهما كان هذا الجهد ضرورياً. فالسلام هو عطية من الله، يسكن قبل كل شيء في قلوبنا. إنه أشبه بحركة داخلية تدفعنا نحو الخارج، وتمكّننا من أن نسمح لأنفسنا بأن نقاد بلحن أعظم منا، هو لحن المحبة الإلهية. الراقصون يخطون بخفة، من دون أن يدوسوا الأرض، متناغمين في خطواتهم بعضهم مع البعض الآخر. وهكذا السلام أيضاً: إنه مسيرة يوحي بها الروح، تجعل قلوبنا منصتة، أكثر انتباهاً واحتراماً للآخرين.
ليَنمُ هذا التوق إلى السلام، الآتي من الله، في ما بينكم؛ لأن السلام قادر، اليوم أيضاً، أن يبدّل نظرتكم إلى الآخرين وطريقة عيشكم معاً في هذه الأرض التي يحبها الله حباً عميقاً ولا يزال يباركها.
حضرة الرئيس، أصحاب المقامات الكريمة، أشكركم مرة أخرى على استقبالكم. أؤكد لكم صلواتي، وصلوات الكنيسة كلها، من أجل خدمتكم الدقيقة في سبيل الخير العام.
إقرأ أيضًا:
عون للبابا لاوون: باقون هنا... لن نيأس ولن نستسلمشارك هذا الخبر
بالفيديو: هكذا رافقت الدبكة البابا لاوون
رسالة البابا المدونة في السجل الذهبي: أبارك الشعب اللبناني وأصلي للسلام
البابا لاوون الرابع عشر يغادر قصر بعبدا في هذه الأثناء
نداء البابا من بعبدا: صانعو السلام يبدأون من الرجاء والمصالحة والمثابرة وأنتم شعب لا يستسلم
البابا لاوون: البقاء في الوطن هو من خلال دور الإنسان في توطيد السلام والمحبّة والكنيسة تريد ألّا يجبر أحد على المغادرة وتمكين الراغبين من العودة إلى بلدانهم
البابا لاوون: العودة إلى الوطن تتطلّب شجاعة وبصيرة ونعلم بوجود مخاطر كثيرة عندكم ممّا يؤدّي إلى النزيف كثيراً لا سيّما في صفوف الشباب والعائلات
البابا لاوون: ثقافة المصالحة تحتاج إلى اعتراف السلطات والمؤسسات من خلال تغليب الخير العام الذي عليه أن يدفع بالجميع كي يتمكّنوا من تحقيق أكثر ممّا يتمكّن كلّ فرد تحقيقه بمفرده والسلام هو أن نعرف كيف نعيش معاً في سبيل مستقبل مشترك
عون للبابا لاوون: باقون هنا... لن نيأس ولن نستسلم
آخر الأخبار
أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني
إشتراك
Contact us on
[email protected] | +96176111721
Copyright 2023 © - Elsiyasa