هيمنة في أزمة

09/01/2026 04:55PM

تأسّست الجمهورية الإسلامية كنظام يدمج العقيدة بالسلطة، ويمنح الدولة حقّ احتكار التفسير السياسي والأخلاقي. مع مرور الزمن، دخل هذا النموذج في مسار تآكل داخلي طويل أفقده القدرة على إنتاج شرعية اجتماعية مستقرّة؛ لا يظهر فقط في الاحتجاجات والتظاهرات المتكرّرة منذ 1999. إنّه يظهر في عجز النظام عن تحويل القوّة إلى قبول، وفشل الخطاب في صياغة الإقناع، ممّا يجعل النموذج مأزومًا قبل أيّ مواجهة خارجية، وقبل النظر إلى موازين القوى الخارجية؛ وذلك لأنّ النبض الاجتماعي تجاوز قيود الدولة.

ضمن هذا الإطار نشأ حزب الله كامتداد عضوي للنموذج الإيراني.بنيته التنظيمية، علاقته بالمجتمع، ومنطقه التعبوي اعتمدت على المركز الإيراني القادر على توفير الموارد والغطاء، ومنح السلاح شرعية عابرة للحدود. مع تصدّع هذا المركز، لم يتراجع الدعم فقط؛ المرجعية الرمزية التي كانت تحدّد التضحيات والانضباط باتت مهتزّة، والرابط الذي جمع الجماعة بدأ ينهار، ما أفقد الحزب القدرة على إنتاج خطاب موحّد داخليًا.

في لبنان، تتجلّى الأزمة بحدّة أكبر. لم يعد حزب الله قادرًا على تبرير وجوده العسكري في دولة مفكّكة واقتصاد منهار. المعادلة التي تقول إنّ السلاح يحمي المجتمع، والدعم الخارجي يوفّر الاستقرار، تحوّلت إلى عبء ثقيل .فالسلاح لم يمنع الانهيار المالي. الدعم الخارجي لم يقلّل العزلة. الخطاب لم يعد قادرًا على تفسير الواقع. شعار "نحمي ونبني" فقد فعّاليّته في بيئة متغيّرة؛ سقط.

إنّ الأزمة الأعمق تكمن في فقدان السيطرة على السردية. فالقوّة وحدها لا تكفي عندما تنهار اللغة على تبريرها. الانضباط صار قائمًا على الخوف أو الحاجة، فتبدّلت المؤسّسات داخل التنظيم إلى أدوات قسرية. هذه الحالة تحوّل الحزب من نموذج تعبوي إلى جهاز ضبط داخلي، مع اتّساع الفجوة بين القيادة والقاعدة.

يعكس تراكم الإنكار هذا العجز البنيوي: إنكار الأزمة الإيرانية،إنكار أثر العقوبات، إنكار اعتراض اللبنانيّين، وإنكار التململ داخل البيئة الحاضنة يفرض الولاء من التزام انتخابي إلى تبعية قسرية مشحونة بالشكوك. وهذا يعمّق هشاشة أيّ تنظيم عقائدي قائم على الرموز والسيطرة المركزية.

بالإضافة إلى ما سبق، يمكن النظر إلى حزب الله كاختبار حيّل معادلات السلطة الإقليمية؛ حيث أنّ الخيارات الخارجية باتت عبئًا داخليًا. فحزب الله لا يستطيع تحويل المكاسب التكتيكية إلى نفوذ محلّي. إنّ أيّ نجاح عسكري أو سياسي يتحوّل إلى استنزاف مستمرّ، ما يعمّق العزلة ويزيد الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.

اليوم، ما ينهار ليس مواقع أو أفرادًا محدّدين. ما ينهار هو نموذج حكم كامل جمع السلاح بالعقيدة وربط المجتمع بمحور إقليمي. مع تآكل المركز الإيراني، يصبح الحفاظ على هذا البناء في الأطراف، وحزب الله، شبه مستحيل. ما هي المسألة إذن إلّا بنية كاملة فقدت القدرة على إنتاج الشرعية، لا مرتبطة بقيادات أو توازنات مرحلية. أصبح الترهيب الوسيلة الرئيسة لضمان السيطرة.

وحين تصل أيّ منظومة إلى هذه المرحلة، يصبح تفكّكها مسألة زمن سياسي، يتبع ترتيب واقعي لا احتمال نظري.

في المحصّلة، يكشف هذا النموذج عن حقيقة: أيّ فائض قوّة يعتمد على الوصاية والهيمنة الرمزية قد يستمرّ، لكنّ الشرعية الاجتماعية لا تُنتج بالقمع وحده، ما يجعل أيّ تحوّل اجتماعي داخلي أو تحوّل إقليمي قابلًا للتأرجح والتحوّل إلى انهيار منهجي، بشكل لا رجعة فيه.


ميراي الملحم – 9  ك¹ 2026


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected] | +96176111721
Copyright 2023 © - Elsiyasa