نقيب مستوردي الأدوية في لبنان جو غريّب يتحدث عن مستقبل القطاع الدوائي

10:32AM

في وقت يرزح فيه النظام الصحي في لبنان تحت ضغوط غير مسبوقة، يبرز السيد جوزيف غريب، رئيس نقابة مستوردي وتجار الأدوية في لبنان (LPIA) ، كأحد أبرز الشخصيات المحورية في ضمان استمرارية توافر الدواء في البلاد. وبين تداعيات الانهيار المالي، والتقلبات الحادة في سعر الصرف، والتحديات التنظيمية المستمرة، يشرف غريب على قطاع يتحمل مسؤولية تأمين معظم الأدوية الأساسية والمنقذة للحياة للبنانيين.

مقاربته تجمع بين الوضوح والطمأنينة، إذ يؤكد أن المخزون الأساسي من الأدوية مؤمَّن، وفي الوقت نفسه يسلّط الضوء على الإصلاحات العميقة المطلوبة لتحديث وتعزيز سلسلة الإمداد الدوائي الوطنية. في هذا الحوار، يتناول غريب واقع الاستيراد، وآليات حماية جودة الدواء، والمسؤولية المشتركة بين جميع المعنيين لحماية صحة المرضى في واحدة من أصعب المراحل التي يمر بها لبنان.

لمحة عن القطاع  – كيف تصفون الوضع الحالي للقطاع الدوائي في لبنان؟

يمر القطاع الدوائي في لبنان بإحدى أكثر مراحله تعقيدًا. فعلى الرغم من عدم الاستقرار الاقتصادي والتعقيدات التنظيمية، أظهر القطاع قدرة لافتة على الصمود بفضل التزام المستوردين المرخّصين وشراكاتهم الطويلة الأمد مع الشركات العالمية المصنّعة.

لكننا نعمل اليوم في بيئة يتداخل فيها النظام الرسمي مع السوق غير النظامية، ما يخلق تحديات حقيقية على صعيد استمرارية التوافر واستقرار الأسعار. لا يزال القطاع الخاص يلعب دورًا محوريًا في تأمين الأدوية المنقذة للحياة، في وقت تواجه فيه الدولة والجهات الضامنة قيودًا مالية وهيكلية كبيرة.

ورغم التقدم المحقق في تحسين آليات الاستيراد وضبط الجودة، تبقى تراجع القدرة الشرائية وتأخر سداد المستحقات من أبرز الهواجس. الأولوية اليوم هي الحفاظ على الثقة بين الجهات الرقابية والموزعين والمرضى، والعمل على تثبيت قطاع لا غنى عنه للصحة العامة.

تحديات الاستيراد   –ما أبرز الصعوبات التي تواجه الشركات عند استيراد الأدوية إلى لبنان؟

أصبح استيراد الأدوية أكثر تعقيدًا نتيجة تداخل الأزمات المالية والتنظيمية واللوجستية. فالأزمة المصرفية شلّت القدرة على تحويل الأموال إلى الخارج، فيما تجعل تقلبات سعر الصرف عملية التسعير والتخطيط شبه مستحيلة.

يضاف إلى ذلك عامل أساسي يتمثل في تعثر الدولة اللبنانية تجاه الشركات المصنّعة، ما أثّر على الشروط التجارية التي نعمل ضمنها، وأدى إلى ضغط كبير على السيولة في ظل غياب التمويل.

أما إداريًا، فلا تزال إجراءات تسجيل الأدوية والتخليص الجمركي بطيئة، ما يحمّل المستوردين كلفة تأخير وغرامات إضافية. كما أن غياب إطار واضح وقابل للتوقع للتعويضات يحدّ من قدرة الشركات على التخطيط، خصوصًا في ظل متطلبات صارمة لسلسلة التبريد.

وفي موازاة ذلك، ساهم الاستيراد الموازي والاتجار غير المشروع في تشويه السوق، ما صعّب المنافسة العادلة. باختصار، نحن بحاجة ملحّة إلى تحديث شامل للنظام، من آليات تسعير شفافة إلى رقمنة تتبع الاستيراد، لضمان تدفق مستدام لأدوية عالية الجودة.

ضمان الجودة  – ما الإجراءات المعتمدة لضمان أن الأدوية التي تصل إلى المرضى تلتزم بالمعايير الدولية؟

يعمل المستوردون المرخّصون في لبنان وفق معايير ممارسات التوزيع الجيدة (GDP) المعتمدة دوليًا، ويخضعون لتدقيق دوري من السلطات المحلية وشركائهم العالميين.

كل دواء يدخل البلاد يمر بسلسلة رقابة دقيقة، من شحنه من المصنع إلى تخزينه ونقله ضمن درجات حرارة مضبوطة وصولًا إلى الصيدليات. وقد استثمر العديد من المستوردين في مستودعات حديثة مطابقة للمعايير الأوروبية من حيث التحكم بالحرارة والرطوبة.

كما يجري اعتماد أنظمة تتبع الدُفعات والترميز التسلسلي للمنتجات بشكل متزايد للحد من التلاعب أو الاستبدال. ويقوم بدوره وزارة الصحة العامة بعمليات تفتيش وفحوصات مخبرية.

ورغم كل التحديات، يواصل المستوردون المعتمدون الحفاظ على معايير تضاهي تلك المعتمدة في أوروبا، بما يضمن أدوية آمنة وفعالة وأصلية للمرضى.

مخاطر الشراء غير النظامي  – لماذا يجب على الناس تجنّب شراء الأدوية من الأفراد أو عبر العلاقات الشخصية؟

شراء الأدوية من قنوات غير شرعية يعرّض المرضى لمخاطر جسيمة، من الأدوية المزوّرة إلى تلك التي فُقدت فعاليتها بسبب سوء التخزين. وحدها الصيدليات المرخّصة والموزعون المعتمدون يضمنون أن الدواء مصدره المصنع مباشرة وخضع لشروط التخزين الصحيحة.

في المقابل، غالبًا ما تكون الأدوية المتداولة عبر الأفراد أو الشبكات غير الرسمية مهرّبة أو منتهية الصلاحية أو معاد تعبئتها. وقد تحتوي على جرعات خاطئة أو مواد ضارة.

إلى جانب الخطر الصحي، يساهم هذا السلوك في تقويض سلامة سلسلة الإمداد بأكملها. الثقة بالقنوات الرسمية ليست خيارًا أكثر أمانًا فحسب، بل مسؤولية تجاه الصحة العامة.

الأدوية المزوّرة  – ما مدى خطورة هذه الظاهرة في لبنان، وما الفئات الأكثر عرضة؟

التهديد حقيقي ومتزايد في ظل الأزمة الاقتصادية. ومع بحث المرضى عن بدائل أرخص، تستغل شبكات إجرامية هذا الواقع لترويج أدوية مزيّفة أو محوّلة عبر السوق غير النظامية.

الفئات الأكثر عرضة هي أدوية الأمراض المزمنة مرتفعة الكلفة، وعلاجات السرطان، وبعض أدوية نمط الحياة. وقد تصل درجة التزوير إلى تقليد العبوات وأرقام التشغيل، ما يصعّب على غير المختصين اكتشافها.

كما أن الأدوية المهرّبة لا تخضع لشروط التبريد أو الفحوصات، ما يضاعف الخطر. مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تنسيقًا وثيقًا بين الجمارك ووزارة الصحة والمستوردين لتعزيز التتبع والرقابة الحدودية.

سلامة المرضى –   ما العواقب الصحية لتناول أدوية مزوّرة أو محفوظة بشكل غير صحيح؟

قد تتراوح العواقب بين فشل العلاج وأضرار لا رجعة فيها أو حتى الوفاة. فالأدوية المزوّرة قد تحتوي على مواد خاطئة أو جرعات غير دقيقة أو ملوّثات سامة.

وحتى لو كانت المادة الفعالة صحيحة، فإن التخزين السيئ — خاصة التعرض للحرارة والرطوبة — قد يؤدي إلى تدهور الدواء وفقدان فعاليته. بالنسبة لمرضى الأمراض المزمنة أو السرطان، قد يعني ذلك انتكاسات خطيرة أو فقدان السيطرة على المرض.

الأمر لا يقتصر على الفرد، بل يضرب الثقة بالنظام الصحي ككل. إنها أزمة صامتة تتطلب يقظة ومساءلة مستمرة.

دور السلطات  – ما الذي يمكن للجهات الرسمية القيام به لحماية سلسلة الإمداد؟

للجهات الرقابية دور أساسي في حماية سلامة الدواء. وقد حققت وزارة الصحة تقدمًا في الرقمنة، لكن المطلوب هو تثبيت هذه الإجراءات وضمان استمراريتها بعيدًا عن التقلبات السياسية.

ينبغي تعزيز التعاون مع الجمارك لمنع دخول أدوية غير مسجّلة، وتحسين شفافية مهل التسجيل. كما أن اعتماد أدوات تتبع فورية مثل الرموز التسلسلية أو QR Code سيساعد على كشف التزوير مبكرًا.

إلى جانب ذلك، لا بد من حملات توعية عامة، والاعتراف بالمستوردين الشرعيين كشركاء في الأمن الصحي الوطني وحماة للثقة العامة.

الضغوط الاقتصادية –  كيف أثّرت الأزمة المالية على توافر الأدوية وكلفتها؟

أحدث الانهيار المالي خللًا عميقًا في التوازن بين الكلفة والتوافر وإمكانية الوصول. فخسائر سعر الصرف وتأخر التعويضات استنزفت السيولة، واضطرت الشركات إلى تقليص المخزون والتركيز على الأدوية الأساسية.

المرضى تحمّلوا العبء الأكبر عبر ارتفاع الإنفاق الشخصي وتراجع التغطية التأمينية. ورغم أن الدولرة ساعدت على استقرار التوافر لبعض الأصناف، إلا أنها عمّقت الفجوة في العدالة الصحية. من دون آلية تمويل وطنية مستدامة، سيبقى القطاع عرضة للصدمات.

التصنيع المحلي –  هل هناك فرصة لتعزيز الإنتاج الدوائي المحلي؟

هناك فرصة حقيقية، شرط اعتماد مقاربة واقعية لا شعارات سياسية. يمكن للبنان التركيز على أدوية الجنريك والأساسية حيث يمكن تحقيق الجودة والكلفة المناسبة.

لكن الإنتاج المحلي لا يمكن أن يحل مكان الاستيراد في الأدوية البيولوجية أو العلاجات المتقدمة. الحل يكمن في نماذج هجينة وشراكات بين شركات عالمية ومحلية، مدعومة بسياسة صناعية واضحة وتسعير متوقع.

يمتلك لبنان كفاءات علمية وطاقات في الاغتراب تشكل قاعدة صلبة إذا توفرت الحوافز والبنية التحتية.

الرسالة الأخيرة  – ماذا تقولون للمرضى اللبنانيين اليوم؟

رسالتي بسيطة: صحتكم تبدأ من المكان الذي تشترون منه الدواء. احرصوا دائمًا على الشراء من صيدليات مرخّصة، وتأكدوا من وجود ملصق المستورد المعتمد.

خلف هذا الملصق شبكة من المهنيين الذين يعملون بلا كلل لضمان السلامة والجودة والفعالية. ورغم كل التحديات، لا يزال المستوردون الشرعيون ملتزمين بتأمين أدوية أصلية تضاهي ما هو متوافر في الدول المتقدمة.

الثقة بالنظام وبمن كرّسوا حياتهم لحمايته هي خط الدفاع الأول عن صحتكم.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected] | +96176111721
Copyright 2023 © - Elsiyasa