23/01/2026 07:48PM
كتب الدكتور قاسم سعد:
لم تعد التحوّلات التي يشهدها النظام الدولي مجرّد اختلاف في السياسات أو تبدّل في التحالفات، بل باتت تعبّر عن تفكّك عميق في القواعد التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فمع صعود منطق القوة، وتراجع الالتزام بالتعدديّة، وانسحاب الدول الكبرى من أطر أممية لطالما شكّلت مرجعية جامعة، تجد الأمم المتحدة نفسها اليوم أمام سؤال وجودي: ما هو دورها في عالم لم يعد يعترف إلا بميزان القوة؟
من تنظيم القوة إلى إدارة الفوضى
حين تأسست الأمم المتحدة، وُلدت بوصفها إطارًا يهدف إلى تنظيم القوة لا إلغائها، وضبط الصراعات لا إنهاء السياسة. كانت الفكرة الجوهرية تقوم على إخضاع النفوذ لقواعد قانونية، ومنح الدول الضعيفة هامش حماية يمنع تحوّل النظام الدولي إلى غابة مفتوحة.
اليوم، يبدو هذا الدور متآكلًا. مجلس الأمن مشلول بفعل الفيتو، والقانون الدولي يُطبَّق بانتقائية، فيما تُدار الأزمات الكبرى خارج قاعات المنظمة. لم تعد الأمم المتحدة صانعة قواعد، بل باتت في كثير من الملفات شاهدًا على خرقها. تصدر تقارير، تعقد جلسات طارئة، وتوثّق الانتهاكات، من دون أن تمتلك أدوات التنفيذ أو الردع.
هذا التراجع ليس فشلًا إداريًا أو تقنيًا، بل نتاج قرار سياسي دولي واعٍ يرى في التعددية عبئًا، وفي المرجعيات الأممية قيدًا على الحركة الاستراتيجية.
فلسطين كمرآة للعجز الأممي
لا توجد قضية تكشف موقع الأمم المتحدة الحقيقي أكثر من القضية الفلسطينية. عشرات القرارات الدولية بقيت حبرًا على ورق، فيما يُعاد تعريف الصراع من مسألة حقوق واحتلال ولاجئين، إلى ملف إنساني أو أمني قابل للإدارة.
في هذا السياق، يصبح استهداف وكالة الأونروا أكثر من أزمة تمويل. فالأونروا ليست مجرد مؤسسة خدمات، بل وثيقة سياسية حيّة تقول إن قضية اللاجئين لم تُحل بعد. لذلك، فإن إضعافها أو تصفيتها ينسجم مع مسار أوسع يهدف إلى تفريغ القضية الفلسطينية من بعدها القانوني، ونقل عبئها إلى الدول المضيفة.
الأمم المتحدة في الجنوب العالمي: ضرورة بلا قوة
رغم هذا التراجع، لا يمكن القول إن الأمم المتحدة انتهت. ففي الدول الهشّة، والمخيمات، ومناطق النزاع، لا تزال تمثّل:
• موردًا إنسانيًا أساسيًا
• إطارًا للتوثيق والمساءلة
• ومساحة أخيرة للصوت الضعيف
لكنها لم تعد فاعلًا سياسيًا مؤثّرًا، بل تحوّلت إلى مُدير للهشاشة بدل أن تكون أداة لمنعها. تُدير الأزمات بدل حلّها، وتحتوي الانهيارات بدل معالجتها من جذورها.
لبنان: ارتدادات التفكك الدولي
يُعدّ لبنان من أكثر الدول تأثّرًا بهذا التحوّل. فلطالما عاش على هامش النظام الدولي، لكنه كان محاطًا بشبكة أمان أممية ودولية حالت دون الانهيار الكامل. اليوم، ومع تراجع دور الأمم المتحدة وتفكك هذه الشبكة، ينتقل لبنان من حالة «الانهيار المُدار» إلى حالة الانكشاف الكامل.
أي تراجع في دور اليونيفيل، وأي فراغ خدماتي داخل المخيمات الفلسطينية، وأي اهتزاز إضافي في الضبط الأمني أو الاجتماعي، يتحوّل سريعًا إلى عامل عدم استقرار في دولة عاجزة أصلًا عن الاحتواء.
التطرّف كأثر جانبي للتفكك
في هذا المناخ، لا يبرز خطر التنظيمات المتطرّفة بوصفه تهديدًا مباشرًا ومنظّمًا، بل كخطر كامن. الحديث هنا عن خلايا نائمة أو غير نشطة لتنظيم داعش، وأفراد متطرّفين ينتظرون لحظة الفوضى. تاريخ المنطقة يثبت أن انهيار الدولة وتراجع الضبط الدولي يشكّلان البيئة المثالية لعودة هذا النمط من التهديدات منخفضة الكلفة وعالية التأثير.
إسرائيل، القوة، وتآكل المرجعيات
في موازاة ذلك، تتحرّك إسرائيل في هامش أوسع من السابق، مستفيدة من تراجع الكوابح الدولية. فهي لا تسعى بالضرورة إلى حرب شاملة مع حزب الله، لكنها تعمل على تفكيك معادلة الردع تدريجيًا عبر حرب ظل وضربات محدودة.
غير أن هذا لا يلغي السيناريو الأخطر: عملية عسكرية مدمِّرة واسعة، تُستخدم لفرض وقائع جديدة بالقوة، لا فقط لإضعاف خصم عسكري، بل لإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية في لبنان. مثل هذا السيناريو، وإن لم يكن الأكثر ترجيحًا، يبقى الأخطر في ظل غياب ردع دولي فعّال.
من المرجعية الدولية إلى التفاوض تحت الضغط
يتقاطع هذا المشهد مع مسار آخر تدفع به الولايات المتحدة، يقوم على تهميش الميكانيزمات الأممية القائمة، والدفع نحو مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل. هذا المسار ينقل التفاوض من إطار قانوني دولي، ولو ضعيف، إلى معادلة قوة غير متكافئة، حيث يُخشى أن يتحوّل التفاوض نفسه إلى امتداد للصراع، لا إلى بديل عنه.
الخلاصة
الأمم المتحدة لم تعد حكمًا بين القوى، بل مرآة تعكس ميزان القوة الحقيقي في العالم. هي باقية، لكنها تقف على هامش القرار، وتؤدّي دور إدارة الهشاشة بدل تنظيم القوة.
بالنسبة للبنان، تكمن الخطورة في تلاقي المسارات: تراجع الأمم المتحدة، هشاشة الدولة، التطرّف الكامن، واحتمالات التصعيد أو التدمير الخارجي. الخطر الأكبر لا يتمثّل في حدث واحد، بل في غياب المرجعية، وانعدام التوازن، وتفكك الدولة في آنٍ واحد.
في عالمٍ يتفكّك، لا يُسأل فقط عن مستقبل الأمم المتحدة،
بل عن مصير الدول الهشّة التي كانت تعتمد عليها كآخر خطوط الدفاع.
شارك هذا الخبر
في الطقس: إستقرار نسبي قبل منخفض جوّي جديد الثلاثاء المقبل
نقابة المالكين تستنكر انهيار مبنى القبة: الإهمال الرسمي وراء الكارثة
زيلينسكي يطالب ترامب بتنفيذ اتفاق الدفاع الجوي وسط هجمات روسية مكثفة على أوكرانيا
مشروع المشاركة الديمقراطية الشاملة يحطّ رحاله في الجامعة اللبنانية : جلسة تعليمية حول أهمية المشاركة في الانتخابات
لينوفو تسعى لتوسيع شراكاتها مع مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي حول العالم
سلام: معالجة الأبنية المهددة بالانهيار في طرابلس أولوية قصوى للحكومة
ساعة أبل ووتش تكشف الرجفان الأذيني حتى لدى الأشخاص بلا أعراض
ميتا وإيسيلور لوكسوتيكا في مواجهة دعوى انتهاك براءات اختراع بمليارات الدولارات
آخر الأخبار
أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني
إشتراك
Contact us on
[email protected] | +96176111721
Copyright 2023 © - Elsiyasa