لبنان في لحظة الحقيقة .. إما الدولة أو الانهيار

09:13AM

لم يعد الخلاف في لبنان خلافًا في وجهات النظر أو في مقاربات سياسية قابلة للنقاش. نحن اليوم أمام معادلة وجودية، دولة تُحاول النهوض من الانهيار، وتنظيم مسلّح يفرض خيارات لا تخدم لا الشيعة ولا لبنان، ويصرّ على جرّ البلاد إلى حروب ومواجهات تخدم أجندة خارجية.

حزب الله لم يعد يمثّل مصالح البيئة الشيعية، بل بات عبئًا ثقيلًا عليها. فالمجتمع الشيعي اليوم ينهار تحت وطأة غياب إعادة الإعمار، وتراجع الخدمات، وانعدام أي أفق اقتصادي. 

حتى داخل حركة أمل، تتزايد حالة التململ، إذ يجد مناصروها صعوبة متزايدة في تبرير الاستمرار بدعم واقع لا يقدّم حلولًا ولا أملًا. وهذه الحقيقة بات الرئيس نبيه بري يدركها ويعلم بأن حماية المجتمع الشيعي تمرّ بالعودة إلى مبادئ حركة أمل وإلى نهج الإمام موسى الصدر وهو الدولة أولًا، وإعادة الإعمار، والانخراط في مشروع وطني جامع يخدم لبنان لا سواه.

كما أن الرئيس بري يعلم أيضًا أن إيران، رغم كل الشعارات، لن تتحمّل مسؤولية إعادة إعمار الجنوب أو إنقاذ المجتمع الشيعي من الانهيار. لذلك، فإن البحث عن بدائل واقعية بات ضرورة لا خيارًا. ومن هنا يأتي حرصه على وحدة الصف الشيعي، لا من باب الخضوع، بل من باب محاولة إعادة حزب الله إلى طاولة العقل والمسؤولية، بدل تركه يواصل سياسة حرق الجسور والعزل الذاتي.

فالأقنعة سقطت والحقيقة باتت واضحة، حزب الله تنظيم يجرّ لبنان إلى الحرب من أجل دولة أجنبية، يشنّ حملات مباشرة على رئيس الجمهورية، يحتجز قوى امنية ، يدير اقتصادًا موازيًا خارج سلطة الدولة، ويحتفظ بسلاح استراتيجي خارج إطار المؤسسة العسكرية. 

لذلك لا يمكن لاي تنظيم يقوم بكل ذلك أن يُعامل كحزب سياسي شرعي داخل دولة ذات سيادة.

من هنا، يطرح السؤال الجوهري، ماذا يريد حزب الله أن يكون؟ حزبًا سياسيًا لبنانيًا يمثّل شريحة من اللبنانيين ويخضع للدستور والقانون؟ أم ميليشيا مسلّحة تعمل كذراع إيرانية وتضرب سيادة الدولة من الداخل؟ 

لذلك فان الدولة اللبنانية مطالبة اليوم بموقف واضح لا لبس فيه، إمّا الالتزام الكامل بالدولة ومؤسساتها، أو الوقوف خارج الشرعية وتحمل النتائج. وإذا اختار حزب الله الاصطفاف مع إيران ضد المصلحة الوطنية اللبنانية، فعلى الدولة أن تتصرّف وفق هذا الواقع، سياسيًا وقانونيًا وسياديًا.

في المقابل، تتحرّك إيران ببراغماتية باردة مع إدراكها لتراجع موقعها الإقليمي، تعيد حساباتها عبر توسيع نفوذها في لبنان نقل أسلحة استراتيجية، تطوير قدرات عسكرية وأمنية، تجنيد خلايا محلية، واستخدام الأرض اللبنانية كمنصة عمل، بحيث يدفع لبنان وحده ثمن أي مواجهة، فيما تبقى إيران بمنأى عن الرد المباشر.

الأخطر يتجلّى في المسار الاقتصادي حيث كان لافتا وخلال زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت، مورست ضغوط مباشرة على وزير الاقتصاد اللبناني لتوسيع التبادل التجاري مع إيران، وإعادة تفعيل اللجان الاقتصادية المشتركة، وتنظيم منتديات اقتصادية في السفارة الإيرانية تحت عنوان التعاون والاستثمار. 

لكن ما لا يُقال للّبنانيين هو أن أي انخراط اقتصادي مع إيران يعرّض لبنان مباشرة لعقوبات دولية، ويضعه في مواجهة مع النظام المالي العالمي. والأسوأ، أن الولايات المتحدة أعلنت بوضوح أن أي دولة تتعامل تجاريًا مع إيران ستواجه رسومًا جمركية تصل إلى 25%. 

أي أن لبنان، المنهك أصلًا، سيُدفع نحو عزلة اقتصادية إضافية وانهيار أعمق.

هذه ليست شراكة، بل استغلال. وليست مساعدة، بل محاولة لزجّ لبنان في هاوية اقتصادية جديدة تخدم مصلحة إيران وتدمّر ما تبقّى من فرص تعافي الدولة اللبنانية.

من هنا، تقع المسؤولية الكاملة على عاتق الدولة اللبنانية برفضها المطالب الإيرانية المشبوهة، وحماية السيادة الوطنية، ومنع تحويل لبنان إلى ورقة تفاوض أو ساحة تصفية حسابات. فإما دولة سيدة قادرة على اتخاذ القرار، أو كيان مخطوف يدفع شعبه ثمن خيارات لا تشبهه ولا تخدمه.

الوقت لم يعد يسمح بالمراوغة هذه لحظة الحقيقة.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected] | +96176111721
Copyright 2023 © - Elsiyasa