كيف يُسقَط الكيان من الداخل؟ الأونروا نموذجًا للهدم الصامت

04/02/2026 03:17PM

عندما يُراد إسقاط كيانٍ ما، لا يبدأ الهدم من الخارج ولا عبر ضربةٍ صاخبة تُلفت الأنظار. يبدأ بصمت، وبذكاء بارد، عبر إعادة تعريف المشكلة نفسها. هكذا تُدار أزمة وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) اليوم: لا بوصفها صراعًا بين وكالة دولية محاصَرة ومشروعٍ سياسي يسعى إلى تفكيكها، بل باعتبارها مشكلة «داخلية» بين الأونروا والمجتمع الفلسطيني. عند هذه النقطة تحديدًا، يكون التحويل قد اكتمل: من قضية حقوق سياسية وقانونية إلى نزاع اجتماعي يومي.

هذا التحويل ليس عفويًا، ولا نتاج سوء إدارة فقط، بل هو هندسة دقيقة للصراع. فالمهندس الحقيقي لا يحتاج إلى أقوياء أو أصحاب رؤية، بل إلى العكس تمامًا: يُستدعى الضعفاء. أولئك الذين يصعدون فجأة بخطاب «الواقعية» و«المرونة» و«المصلحة العامة». يُقدَّمون كوسطاء عقلانيين، بينما دورهم الفعلي هو نزع السياسة عن الصراع، وتفريغه من سياقه الاستعماري، وتحويله إلى خلافات تقنية حول الخدمات، والإدارة، والرواتب، والانضباط الوظيفي.

بهذا الأسلوب، تُدار الجريمة بأدوات محلية. يُستبدل العدو الحقيقي بخصومة داخلية، ويُقنِع المجتمع أن مشكلته مع ذاته: مع موظفيه، مع نقاباته، مع فقره، مع ما يُسمّى «ثقافة الاحتجاج». تُصوَّر المطالبة بالحقوق كعبء، والتمسّك بالولاية السياسية كترف، والاحتجاج كعائق أمام «الاستقرار». أما من صمّم الانهيار، ومن قرّر الحصار المالي، ومن عمل على نزع الشرعية، فيختفي من المشهد، وقد غُسلت يده من الاتهام.

التجاذبات الداخلية: الوقود المجاني للهدم

في الحالة الفلسطينية، لا يعمل هذا النموذج في فراغ. فالتجاذبات السياسية والانقسامات الفصائلية لا تُستحضَر هنا بوصفها سببًا للأزمة، بل تُستثمَر كأداة لتسريعها. الانقسام المزمن بين القوى الفلسطينية

 ، وما راكمه من شكوك متبادلة وخطابات إقصائية، خلق بيئة مثالية لتحويل أي أزمة بنيوية إلى ساحة تصفية حسابات داخلية.

في هذا السياق، تُقرأ أزمة الأونروا لا كاستهداف لحق اللاجئ، بل كفرصة لإعادة التموضع السياسي أو لتسجيل نقاط في صراع النفوذ داخل المخيمات وخارجها. يُعاد تأطير الاحتجاجات العمالية والغضب الشعبي من تقليص الخدمات ضمن سرديات فصائلية ضيقة: هذا تحرّك «مُسيَّس»، ذاك «مُفتعَل»، وآخر «يخدم أجندة خصم». وبدل أن تتوحّد البوصلة نحو مصدر الخطر، تتشظّى الاتهامات داخل الجسد الفلسطيني نفسه.

المهندس هنا لا يخلق الانقسام، بل يستثمره. لا يحتاج إلى اختراق مباشر، لأن الانقسام قائم وجاهز للاستخدام. يكفي أن تُدفَع كل جهة لقراءة الأزمة من زاويتها الخاصة، وأن يُغذّى الشك بين الفاعلين المحليين، حتى تتحوّل الأونروا إلى ساحة نزاع داخلي بدل أن تكون خط تماس مع مشروع التفكيك الأكبر.

في هذه اللحظة، لا يعود تفكيك الكيان بحاجة إلى قرار رسمي أو إعلان صريح. يكفي أن يُسلَّم إلى بيئة منقسمة، تُنهِك ذاتها بذاتها. إلى من يرون في كل قيمة عبئًا، وفي كل مبدأ تهديدًا، وفي كل تاريخ عقدة يجب التخلص منها. يتحوّل الكيان من مساحة صراع سياسي إلى عبء إداري، ومن رمز لحق جماعي إلى ملف خدمات قابل للإغلاق.

تحذير لا يحتمل التأويل

ما يجري ليس سوء إدارة، ولا ارتباكًا ظرفيًا، ولا خلافًا قابلًا للاحتواء. ما يجري هو تفكيك ممنهج، وكل من يتعامل معه كملف تقني أو كساحة تصفية حسابات داخلية، يضع نفسه—بوعي أو بدونه—في موقع الشريك الوظيفي في الهدم. الانقسام الفلسطيني لم يعد مجرد ضعف بنيوي؛ أصبح أداة تشغيل جاهزة في يد من قرّروا إنهاء الأونروا بوصفها آخر شاهد مؤسسي على جريمة لم تُغلق.

الرهان على «احتواء الأزمة» وهم، وعلى «المرونة» خدعة، وعلى إدارة الغضب الشعبي عبر التخوين أو التخدير انتحار سياسي. حين يُدفَع المجتمع الفلسطيني للاختيار بين خبزه وكرامته، بين راتبه وحقه، بين صموده وصمته، يكون التفكيك قد انتصر دون أن يوقّع أحد قرارًا رسميًا. في تلك اللحظة، لا يُسقِط المهندس الكيان، بل يتركه ينهار بأيدي أهله.

من لا يسمّي ما يحدث باسمه، ومن يفضّل السلامة الفصائلية على المواجهة الأخلاقية، لن يكون ضحية لاحقًا، بل شاهد زور. وعندما تختفي الأونروا، لن يبقى مجال للبكاء على الأطلال، لأن الأطلال ستكون قد استُخدمت لتغطية الجريمة، لا لفضحها.


الدكتور قاسم السعد باحث في حقوق الطفل والإنسان


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected] | +96176111721
Copyright 2023 © - Elsiyasa