لبنان أمام مفترق طرق مع الخليج..العزلة أم الانفتاح؟

05:28PM

في توقيتٍ سياسي دقيق، جاءت موافقة مجلس الوزراء السعودي على مذكّرة تفاهم مع سوريا في المجال الصحي، بالتوازي مع إدراج ثمانية مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب بسبب ارتباطها المباشر أو غير المباشر بحزب الله، لتشكّل رسالةً واضحة لا لبس فيها إلى لبنان، باسم دول الخليج، مفادها أنّ الوضع لم يعد مقبولًا، وأنّ مرحلة المجاملات انتهت.

هذه المقارنة ليست تفصيلًا عابرًا، بل تحمل دلالات سياسية عميقة، فالمملكة العربية السعودية، التي لطالما شدّدت على ضرورة استقرار المنطقة واحترام سيادة الدول، اختارت الانفتاح الصحي على سوريا ضمن إطار واضح ومحدد، في مقابل تشديد إجراءاتها تجاه لبنان بسبب استمرار تغاضي الدولة عن هيمنة حزب الله على مفاصل حيوية فيه.

الرسالة الخليجية اليوم ليست موجهة إلى جهة واحدة، بل إلى كامل السلطة اللبنانية، الحكومة، ورئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس النواب. 

والرسالة مفادها أن لا دعم، ولا شراكة، ولا تعاون حقيقي، في ظل استمرار دولة داخل الدولة، وسلاح خارج الشرعية، وخطاب سياسي وأمني يجرّ لبنان إلى صراعات لا مصلحة له فيها.

إدراج مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب ليس استهدافًا للبنان كدولة أو لشعبه، بل هو إدانة واضحة لاستغلال المؤسسات الإنسانية والخدماتية لتغطية أنشطة سياسية وأمنية وتمويلية مرتبطة بتنظيم مسلح مصنّف إرهابيًا في معظم دول العالم ، وهو دليل إضافي على أن المجتمع الدولي والخليجي لم يعد يقبل بسياسة "النأي بالنفس" الشكلية، ولا بالشعارات الفارغة التي تخفي واقع الهيمنة.

في المقابل، يظهر الانفتاح السعودي على سوريا في المجال الصحي كدليل على أن دول الخليج لا تعتمد سياسة القطيعة المطلقة، بل سياسة مشروطة بالإصلاح والانضباط واحترام القوانين الدولية. أي أن الباب ليس مغلقًا أمام أحد، لكنه ليس مفتوحًا بلا ضوابط.

أما في لبنان،فالمشكلة لم تعد اقتصادية فقط، ولا مالية، ولا حتى إدارية، المشكلة أصبحت سياسية وسيادية بامتياز ، استمرار التغاضي الرسمي عن نشاطات حزب الله، وتصريحات قياداته، وتدخله الإقليمي، وتهديداته المتكررة، بات يُنظر إليه خليجيًا ودوليًا كنوع من الشراكة الضمنية، أو في الحد الأدنى كعجز غير مقبول.

فالرسالة اليوم واضحة لا يمكن للبنان أن يطلب الدعم والاستثمار والمساعدة، فيما يسمح لتنظيم مسلح بأن يحدّد سياسته الخارجية، ويعرّض علاقاته العربية للخطر، ويستغل مؤسساته لخدمة أجندته الخاصة.

المطلوب لم يعد بيانات تهدئة ولا وعودًا عامة، المطلوب خطوات عملية وجريئة من الحكومة اللبنانية، ومن رئيس الجمهورية، ومن رئيس مجلس النواب، لإعادة الاعتبار لسلطة الدولة، وفرض سيادتها على كامل أراضيها ومؤسساتها، ووقف استخدام لبنان منصة لصراعات إقليمية.

كما أن العمل الجدي على تصنيف "حزب الله "كمنظمة إرهابية، أسوة بما فعلت دول الخليج ومعظم دول العالم، لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل بات ضرورة لحماية ما تبقّى من الدولة، ولإعادة ترميم الثقة العربية والدولية.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق واضح، فإما الاستمرار في سياسة الإنكار والتغاضي، وما يعنيه ذلك من عزلة متزايدة وعقوبات وتدهور شامل، وإما اتخاذ قرار سيادي شجاع بإعادة الدولة إلى موقعها الطبيعي، عربيًا ودوليًا.

والرسالة الخليجية الأخيرة، عبر الصحة من جهة، والعقوبات من جهة أخرى، تقول بوضوح الكرة في الملعب اللبناني، والوقت لم يعد مفتوحًا.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa