20/02/2026 04:48PM
في 19 شباط، انعقد في واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس غزّة للسلام» بمبادرة من الرئيس دونالد ترامب، في إطار مسار سياسي-تنفيذي لمرحلة ما بعد الحرب. لم يكن اجتماعاً خطابياً، بل ورشة عمل سياسية واستراتيجية لتحديد مسار ملموس: خطة مرحلية، لجان متابعة، وتعهدات أولية لإطلاق إعادة الإعمار وبناء إدارة مدنية انتقالية للقطاع.
الواقعة الأبرز لم تكن في الشكل، بل في التمثيل. لم يحضر أي إطار فلسطيني تقليدي: لا السلطة الفلسطينية، ولا حركة فتح، ولا حركة حماس، ولا حركة الجهاد الإسلامي. التمثيل اقتصر على الدكتور علي شعث، بصفته رئيس «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» ذات الطابع المدني-التقني. في مداخلته، عرض «خطة المئة يوم الأولى» مركّزاً على إعادة تشغيل البنية التحتية، وضبط الخدمات الأساسية، وبناء حوكمة انتقالية “بعيداً عن السلاح ومنطق الفصائل”.
هذا التحوّل في نوعية الحضور ولغته كان لافتاً بحد ذاته. مجلس يبحث مستقبل غزة من دون الفصائل التي حكمت المشهد لعقود، وبمقاربة تقدّم الإدارة والاقتصاد على الأيديولوجيا. والأكثر إثارة للانتباه كان كلام ترامب عن «الحكم الذاتي في غزة»؛ طرحٌ يشي بتوجّه لفصل القطاع نهائياً عن الضفة، وربما مؤشر إلى إقفال عملي لملف حلّ الدولتين بصيغته الكلاسيكية.
هل انتبه المسؤولون في بيروت الى أن الرئيس ترامب قال أيضاً خلال كلمته: "علينا أن نحل مشكلة لبنان."
هذه العبارة ليست مجرد تعليق جانبي، بل مؤشر على المعيار الذي يطبّقه المجلس: لبنان، مثل غزة، يخضع للتقييم على أساس الإنجاز والقدرة على التقدّم، لا على شعارات أو أيديولوجيا قديمة.
هنا يكمن الإنذار المبكر.
المنطقة لم تعد تُدار بقواعد اللعبة القديمة، تلك التي كانت سائدة قبل 7 تشرين الأول، ولا بقوة الردع كما كانت تُقرأ قبل 12 حزيران 2025. التوازنات تبدّلت، وسقف التسويات تغيّر، ومن بقي متحجّراً في معادلات الأمس يخاطر بأن يُستبعَد من ترتيبات الغد. في لبنان أيضاً، لا يزال جزء من الطبقة السياسية أسير عقلية ما قبل “أيلول البايجر” ، أي ما قبل سلسلة التحوّلات الأمنية والسياسية التي كسرت إيقاع الجمود وفرضت إيقاعاً مختلفاً على الداخل والخارج. من جلس على الطاولة سيكون وجوهاً جديدة وعقلية جديدة من الذين يفكرون outside the box ويفهمون اللعبة كما هي، لا كما كانت.
المجموعة الخماسية التي تضم الولايات المتحدة، فرنسا، السعودية، قطر، مصر ، لم تعد تُخفي ضيقها من سياسة المراوحة في بيروت. الدعم بات مشروطاً بخطوات ملموسة، لا بتعهّدات عامة. الأكثر سلبية وتشدداً من قرار الحكومة كان الموقف الأميركي والسعودي. تشير المصادر إلى مشاركة محدودة في اجتماع القاهرة التحضيري، ومستوى منخفض في مؤتمر باريس، مع اقتراح بخفض مستوى المساعدات العسكرية الأميركية والقطرية في حال عدم قيام الجيش بخطوات جدية للمرحلة الثانية قبل تموز المقبل. والقرارات الحكومية الأخيرة، سواء في مقاربة ملف السلاح أو في السياسات المالية أو في إدارة الاستحقاقات، لم تُقرأ خارجياً كبراغماتية، بل كدليل على غياب رؤية استراتيجية وضعف.
ملف سلاح حزب الله لم يعد تفصيلاً داخلياً. هو جزء من صورة إقليمية أوسع تُعاد صياغتها. الاجتماعات التحضيرية لمؤتمر دعم الجيش في باريس ستقاس بمؤشرات واضحة: تقدّم فعلي في حصر القرار الأمني بيد الدولة، وضوح في التموضع، وجرأة في اتخاذ القرار. أما الغموض أو انتظار «ما ستفعله إسرائيل» فسيُترجم مزيداً من الضغط، وربما تراجعاً في مستوى الثقة والتمثيل.
الرسالة من مجلس غزّة كانت عملية، من يقدّم مشروع استقرار مدني ويستوعب قواعد اللعبة الجديدة سيجلس إلى الطاولة. من يبقى متحجّراً في سرديات ما قبل 7 تشرين الأول، أو يراهن على معادلات ردع انتهت صلاحيتها، سيجد نفسه خارجها. في السياسة، لا أحد يُستبعَد بقرار فجائي؛ يُستبعَد حين يعجز عن قراءة التحوّل.
لبنان أمام لحظة مفصلية. إمّا أن تنتقل نخبته من إدارة التوازنات الصغيرة إلى صياغة استراتيجية دولة، وإمّا أن يُعاد رسم المشهد الإقليمي بوجوه جديدة وعقلية جديدة، من يفكرون outside the box ويفهمون اللعبة كما هي، لا كما كانت.
مجلس غزّة للسلام كان مرآة إقليمية. والسؤال الحقيقي ليس إن كانت ديناصورات السياسة في بيروت قد انزعجت او اهتزت، بل إن كانت تدرك أنّ البقاء في زمنٍ تغيّرت قواعده يتطلّب تغييراً في الذهنية قبل المواقع.
شركاء المستقبل لن يكونون إلا من يفهم قواعد اللعبة الجديدة.
شارك هذا الخبر
عراقجي: لدينا فرصة تاريخية للتوصل الى اتفاق غير مسبوق
دوريات في طرابلس للتأكد من شروط النظافة والأسعار
التيار الوطني الحر يهاجم الحكومة: زيادة البنزين مسّ بجيوب الناس وفشل بحماية المعيشة
يزبك: تهديد قاعدة حامات مسّ بالسيادة... ودعوة عاجلة للمحاسبة
وزيرة البيئة: 440 مليون دولار كلفة الحرب بيئياً
نقابة "أوجيرو" تجتمع مع وزير الاتصالات: لن نرضى بأقل من ميثاق خطي ملزم يضمن حقوقنا ومكتسباتنا
قوات إسرائيلية تستهدف الجيش في سردة بقنابل صوتية... وتهديدات عبر مُسيّرة
شحادة يعرض مع السفير الأرميني سبل تعزيز التعاون في المجالات التكنولوجية
آخر الأخبار
أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني
إشتراك
Contact us on
[email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa