01:31PM
ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "اليوم تنتهي فترة التهيئة للصوم الكبير المقدس ونبدأ غدا الإثنين رحلتنا الروحية نحو عيد الأعياد وموسم المواسم، فنرفع السمك ومشتقات الحليب عن موائدنا ونكثف الصلوات بغية تطهير القلب والنفس، عاملين بما جاء في رسالة اليوم: «لندع عنا أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور». اليوم، في بدء الطريق نحو الصوم الكبير، تقيم كنيستنا المقدسة تذكار طرد آدم من الفردوس بعد معصيته كلام الله، واضعة أمام أعيننا هدف صومنا: إستعادة الملكوت المفقود الذي خسرناه بسبب الخطيئة، لكن الرب أعاد فتحه أمامنا بموته عنا وقيامته".
أضاف: "يضع أمامنا إنجيل اليوم، شرطا واضحا للعودة: «إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضا أبوكم السماوي، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضا زلاتكم». فالغفران ليس فضيلة ثانوية، إنما هو باب الصوم، لا بل باب الملكوت ذاته. من لا يغفر يبقى خارج الفردوس، إذ كيف يسكن في حضرة الإله الغفور من يسود الحقد في قلبه؟ لم يكن سقوط آدم مجرد مخالفة وصية، بل كان انكسارا في علاقة الثقة والطاعة والمحبة. عندما طرد من الفردوس، لم يطرد لأن الله أراد هلاكه، بل لأنه اختار الإنفصال. اليوم، في أحد الغفران، تعيدنا الكنيسة إلى هذه اللحظة، ليس من أجل أن نغرق في الحزن، بل لكي ندرك أن طريق العودة مفتوح بالتوبة والمصالحة. فكما يقول الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية: «إنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم، فإن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنا. قد تناهى الليل وتقارب النهار، فلندع عنا أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور. لنسلكن سلوكا لائقا كما في النهار» (رو 13: 11-12). هذه دعوة إلى يقظة روحية. فالخطيئة سبات، والغفران يقظة. الحقد ظلمة، والمصالحة نور. لذلك، لا يمكن أن ندخل الصوم ونحن نحمل الضغائن في قلوبنا، لأن الصوم ليس امتناعا عن الطعام وحسب، بل تخل عن أعمال الظلمة. الصوم الحقيقي يكون في خلع الإنسان العتيق والتوشح بالمسيح، كما يقول الرسول بولس: «إلبسوا الرب يسوع المسيح ولا تهتموا بأجسادكم لقضاء شهواتها» (رو 13: 14)".
وتابع: "إذا، الصوم ليس نظاما غذائيا، بل حالة كيانية. إنه اشتراك في حياة المسيح، ودخول في سر موته وقيامته. يعلمنا القديس يوحنا الذهبي الفم أن «من صام عن الطعام ولم يصم عن الخطيئة، فصومه باطل»، لأن الله لا يطلب جوع البطون بقدر ما يطلب نقاوة القلوب. لذلك، يربط الرب في الإنجيل بين الغفران والصوم والصدقة، ليظهر أن العبادة الحقة هي عبادة القلب النقي والعطاء الخفي، وليست المظاهر الخارجية. لذلك يقول لنا الرب: «متى صمتم فلا تكونوا معبسين كالمرائين... أما أنت فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائما، بل لأبيك الذي في الخفية، وأبوك الذي في الخفية يجازيك علانية». إنه يدعونا إلى صوم مفرح، لأن التوبة ليست يأسا بل رجاء. إنها عودة الإبن الضال إلى بيت أبيه. يقول القديس إسحق السرياني إن «التوبة هي باب الرحمة المفتوح دائما»، فمن يدخل هذا الباب لا يخزى. كذلك، يحذرنا الرب من أن نكنز كنوزا على الأرض، حاثا إيانا على أن نكنزها في السماء، لأنه حيث تكون كنوزنا هناك تكون قلوبنا. آدم سقط لأن قلبه مال إلى ما ظنه كنزا خارج إرادة الله. نحن أيضا نسقط حين نضع قلوبنا في كنوز زائلة كالمال والسلطة والمجد الباطل. أما الصوم فهو إعادة توجيه القلب نحو الكنز الحقيقي، أي الشركة مع الله".
وقال: "في رسالة اليوم يدعو الرسول بولس إلى عدم إدانة الأخ قائلا: «من أنت يا من تدين عبدا أجنبيا. إنه لمولاه يثبت أو يسقط» (رو 14: 4). وكأن الكنيسة، في هذا الأحد، تربط بين الغفران وعدم الإدانة. فمن لا يغفر يدين، ومن يدين يضع نفسه موضع الله. لكننا جميعا عبيد محتاجون إلى الرحمة. لذلك، قبل أن نطلب إلى الله أن يغفر لنا في الصوم، علينا أن نغفر نحن أيضا. صلاة الغفران التي نقيمها في هذا المساء، حين ننحني بعضنا لبعض طالبين الصفح، ليست مجرد تقليد، بل فعل خلاصي. إنها إعلان بأننا لا نستطيع أن نسير في الصوم وحدنا، بل كجسد واحد، متصالحين، متواضعين، معترفين بضعفنا. يذكرنا القديس باسيليوس الكبير بأن «الصوم الحقيقي هو الإبتعاد عن الشر، وضبط اللسان، وترك الغضب، وقطع الشهوات». لذا، أمامنا طريقان: إما أن نبقى خارج الفردوس، متمسكين بمراراتنا وكبريائنا وخطايانا، أو أن نقرع باب الرحمة بالغفران والتوبة. لا تذكرنا الكنيسة بطرد آدم لتخيفنا، بل لتوقظ فينا الشوق إلى العودة. فالمسيح، آدم الجديد، فتح لنا باب الفردوس بصليبه، ونحن مدعوون أن ندخل من هذا الباب بقلب نقي".
أضاف: "منذ البدء كان الإنقسام والبغض والحسد من أولى نتائج الخطيئة. فبعد أن أكل آدم وحواء من ثمر الشجرة التي حذرهما الله من تذوقها، إتهم آدم حواء بأنها سبب سقوطه. أما قايين، فقد قتل أخاه هابيل بسبب حسده وحقده، ظنا منه أنه إذا أزاحه يحصل على رضى الله. هذا ما يفعله الإنسان حتى يومنا، يلقي التهم على أخيه الإنسان ويحسده ويظلمه ويقتله، لكنه لا يحظى بالسلام والأمان لأن قلة المحبة لا تولد سلاما، والكبرياء والحسد وإدانة الآخر لا تبرد القلب، ولا تخلص، أو تخفف التحديات. الله تجسد واتخذ طبيعتنا ليخلصنا من آثار الخطيئة ونتائجها بالمحبة. أحبنا حتى بذل ابنه الوحيد من أجل خلاصنا. هل كثير أن يبذل الإنسان بعضا مما لديه من أجل إخوته؟ أو أن يبذل المسؤولون قصارى جهدهم من أجل خير من اؤتمنوا على مصائرهم، فلا يهملون أو يظلمون أو يساومون أو يغضون الطرف عن حقوق المواطنين أو يفرضون الضرائب التي تثقل كاهل الشعب عوض إيجاد الطرائق المناسبة لحل المشاكل، وإجراء الإصلاحات اللازمة، واعتماد الشفافية والعدل والحوكمة الرشيدة من أجل إعادة الثقة بالبلد، وجلب الإستثمارات، وإعمار ما هدمه جشع البعض، وأخطاء البعض الآخر، وتهور آخرين وتعنتهم. وحدها المحبة التي ترأف وتبذل وتضحي تنقذ بلدنا. هذا ما تعلمناه من الرب المصلوب الذي مات من أجل خلاصنا".
وختم: "فلنستيقظ إذا من نوم الإهمال، ولنخلع أعمال الظلمة: الخصام، الحسد، الكبرياء، الإدانة، الأنانية، الجشع، قلة الأمانة ... ولنلبس أسلحة النور: الغفران، الإتضاع، التسامح، الوداعة، المحبة ... ولنكنز كنوزا في السماء، حيث المسيح جالس عن يمين الآب. ولنبدأ صومنا بقرار صادق: أن نغفر من القلب، كما غفر لنا الله في المسيح. عندئذ، لا يكون الصوم عبئا وحزنا، بل يكون نعمة وفرحا فصحيا يسبق القيامة. وحين نسير في هذا الطريق، تختبر قلوبنا ما اختبره آدم حين سمع وعد الخلاص: أن رحمة الله أعظم من خطيئتنا، وأن الفردوس ليس حلما ضائعا، بل دعوة مفتوحة لكل من يتوب ويغفر ويحب".
شارك هذا الخبر
حشود واسعة في ساحة القديس بطرس تواكب نداء البابا من أجل أوكرانيا والسلام
المفتي دريان يهنئ السعودية: رمز الإسلام وداعم استقرار لبنان
وزير الثقافة: استكمال السيادة يتطلب إرادة سياسية جامعة
الطقس غداً غائم مع أمطار رعدية وثلوج على ارتفاع 1500 متر شمالاً
الجيش: توقيف 3 مواطنين ضمن إطار التدابير الأمنية في مختلف المناطق اللبنانية
مصلحة سكك الحديد تؤكد عدم حصول أي تعديل على تعرفة النقل المشترك
هاشم: كلام هاكابي رسالة تحمل التوافق الاميركي الاسرائيلي حول الاستراتيجية المشتركة
عودة في أحد قبل الصوم: لا صوم بلا تسامح ولا خلاص بلا محبة
آخر الأخبار
أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني
إشتراك
Contact us on
[email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa