إصابة في القلب... "الحزب" يستنفر بقاعًا بعد الضربة الأخيرة

07:10AM

كتبت باسكال صوما في نداء الوطن: 

ضاعف استهداف قادة "حزب اللّه" في البقاع منسوب الاحتياطات، فالضربة التي أصابت الرئة الشرقية لمنظومة "المقاومة"، لم تكن عابرة. فبحسب المعلومات، هناك استنفار واضح داخل "الحزب"، وباتت الإجراءات الأمنية  أكثر حرصًا وكذلك تحركات العناصر في البقاع وأيضًا في مناطق لبنانية أخرى، وقد طُلب المزيد من العناصر إلى الخدمة، تحسّبًَا لأي ضربة، لا سيّما بظلّ الوضع الإقليمي المعقد.

يقول مصدر مقرّب من "حزب اللّه" إن هناك "من لم يتعلّم للأسف، وبعض المسؤولين يخاطرون باستخدام أجهزة الهاتف ويتنقلون بما يعرّض حياتهم وحياة الآخرين للخطر، رغم أنهم يعلمون أن إسرائيل تراقب أدق التفاصيل". 

وبحسب المصدر، "هناك مسؤولون يضطرون بشكل دائم إلى تغيير أماكن سكنهم للحفاظ على أمنهم، والآن بظلّ شهر رمضان يفرَض عليهم المزيد من الحرص، بحيث يتناولون الإفطار في مخابئهم أو في شقق للتمويه، حتى لا تتكرر المأساة الأخيرة مع سقوط 14 قتيلًا وعدد من الجرحى".

حمل استهداف قادة في "الحزب" أثناء الإفطار، رسائل شديدة الخطورة بحسب مصادر أمنية، أبرزها أن البقاع لم يعد منطقة آمنة أو محيّدة، ويواجه "الحزب" الذي بنى عمقه العسكري منذ نشأته في تلك السهول الهانئة والجرود المحايدة، اختراقًا أمنيًا متقدّمًا، قد يعني أن البقاع هو الهدف الإسرائيلي الأول في أي حرب مقبلة.

يوضح العميد المتقاعد والخبير العسكري سعيد قزح لـ "نداء الوطن" أن "منطقة البقاع لا سيّما بعلبك- الهرمل، تمثل بعدين بالنسبة إلى "حزب اللّه": البعد الوجداني كون انطلاقة "حزب اللّه" كانت من البقاع عام 1982، وبالتالي إن أي ضربة لمنطقة بعلبك الهرمل هي ضربة للوجدان الحزبي. وهناك البعد العملاني لناحية العديد، كون هذه المنطقة هي الرافد الأكبر بعديد المقاتلين منذ الثمانينات، وقد قدّمت المنطقة أرواحًا كثيرة من أجل "حزب اللّه". وتعتبر المنطقة البقعة اللوجستية الخلفية لسلاح "الحزب" وذخيرته ومنصات إطلاق الصواريخ وغيرها. وقبل سقوط النظام السوري، كانت المنطقة تشكل رافدًا للسلاح الإيراني عبر الحدود، ومن هناك يتم توزيع السلاح على الجبهات الأخرى (إقليم التفاح النبطية/ جنوب الليطاني)".

بهذا المعنى، لم يكن الهجوم الإسرائيلي الأخير موجّهًا إلى أشخاص فقط، بل إلى صورة البقاع كملاذ عسكري محصّن. وبحسب إسرائيل، طاول الاستهداف منصات صواريخ على جرود الشعرة على الحدود بين لبنان وسوريا، وهذه المنطقة يقول قزح: "تتعرّض دائمًا للاستهداف، إذ يبدو أنها تحتوي على مراكز إطلاق الصواريخ البالستية إلى جانب مناطق استراتيجية أخرى في غرب بوداي وطاريا في السلسلة الغربية. كما يبدو أن هذه المناطق تحتوي على مخازن أسلحة ووسائل قتالية للحزب. ويعتبر استهداف الخلية التي كانت تخطط لإطلاق الصواريخ، رسالة تحذير للحزب بأن إسرائيل تراقب وتعرف كل شيء ولن تقبل بأي تجاوز، وهي تعمل على الحدّ من قدرات الحزب، لا سيّما في حال نشوب حرب بين إيران والولايات المتحدة، أي قطع الطريق على أي جبهة إسناد قد يفتحها الحزب".

البقاع… حيث بدأت الحكاية

لفهم حساسية الرسالة الأمنية، لا بدّ من العودة إلى البدايات. فمنذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، شكّل البقاع نقطة الانطلاق الفعلية لنشوء "حزب اللّه". هناك، وفي ظلّ الوجود السوري آنذاك، أُنشئ أوّل معسكرات التدريب بإشراف الحرس الثوري الإيراني، وتكوّنت النواة التنظيمية التي ستتحوّل لاحقًا إلى أحد أبرز الفاعلين العسكريين في المنطقة.

لم تكن منطقة بعلبك- الهرمل تحديدًا مجرّد حاضنة اجتماعية، بل مركز تعبئة عقائدية وتجنيد بشري. خرج منها مقاتلون وقادة ميدانيون تولّوا لاحقًا إدارة العمليات في الجنوب وبيروت، ما رسّخ دور البقاع كخزان بشري دائم لـ "الحزب".

ومع انتقال المواجهة العسكرية إلى الجنوب خلال التسعينات، بقيت البنية الخلفية، التدريب، التخزين، والإمداد، كلّها متمركزة شرقًا.

صراعات الداخل: البقاع كمرآة للتحوّلات

لم يكن ارتباط البقاع بـ "الحزب" خاليًا من التوترات. ففي أواخر التسعينات، ظهر أول الانقسامات الداخلية حين قاد الأمين العام السابق صبحي الطفيلي احتجاجات اجتماعية انطلقت من المنطقة نفسها، كاشفةً عن التباين بين الدور العسكري المتصاعد لـ "الحزب" والواقع الاقتصادي الهش للبيئة الحاضنة.

ومع مرور السنوات، بقي البقاع الأكثر مساهمة في البنية القتالية لـ "الحزب"، والأكثر تأثرًا في الوقت نفسه بالتحوّلات الاقتصادية والأمنية فيه، خصوصًا بعد انخراط "الحزب" في الحرب السورية وتحوّل الحدود الشرقية إلى ممرّ عسكري مفتوح، وجرح لبناني مفتوح على مشاريع "الحزب" وأهدافه الداخلية والإقليمية.

ترسانة الشرق: لماذا البقاع هدف إسرائيلي؟

بحسب مصادر عسكرية، فإسرائيل تعتبر أن البقاع يشكّل العقدة اللوجستية الأهم في منظومة "حزب اللّه" العسكرية. فالقرب الجغرافي من الحدود السورية جعله ممرًا رئيسيًا لنقل السلاح، وموقعًا مناسبًا لتخزين منظومات صاروخية بعيدة المدى وبنى تدريبية أقلّ عرضة للاستهداف المباشر مقارنة بالجنوب.

وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت الضربات الجوية في العمق اللبناني والسوري المتصل بالبقاع، في محاولة لقطع خطوط الإمداد ومنع تطوير القدرات الصاروخية لـ "الحزب".

البقاع كجبهة محتملة

الرسالة الأبرز التي حملها استهداف الإفطار الأخير تتعلق بمستقبل المواجهة. فإذا كان الجنوب ساحة الاشتباك التقليدية، فإن البقاع يبدو اليوم مرشحًا للتحوّل إلى جبهة ضغط موازية، بحسب المصادر.

فالتهديد لا يطول مخازن السلاح فقط، بل البيئة التي تؤمّن التجنيد والاستمرارية التنظيمية. أي أن المعركة، وفق هذا المنطق، تستهدف القدرة على إعادة إنتاج القوّة العسكرية لـ "الحزب"، لا مجرّد تقليصها.

أمام هذا الواقع، يجد "حزب اللّه" نفسه أمام معادلة معقدة: الحفاظ على صورة الردع من جهة، ومعالجة احتمالات الاختراق الأمني داخل أكثر مناطقه حساسية من جهة أخرى.

فالبقاع الذي شكّل نقطة الولادة الأولى لـ "الحزب"، قد يتحوّل اليوم إلى نقطة اختبار أمنية حاسمة. وكل ضربة في هذه المنطقة تحمل وزنًا مضاعفًا، إذ تصيب القلب الذي قامت فيه البنية العسكرية لـ "الحزب" منذ أربعة عقود.


المصدر : نداء الوطن

شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa