لبنان هو الضحيّة…لا شعبه

09:52AM

 

اليسا الهاشم

 

الحقيقة تؤلم. وما سأقوله اليوم سيستفزّ كثيرين وربما يغضب كثيرين أكثر. لكن لا معنى للكلام إن لم يكن صريحاً في لحظة تتهاوى فيها الأوطان.

اللبنانيون ليسوا الضحية.

الضحية الحقيقية هي لبنان نفسه.

لبنان هو الذي يُستنزف ويُنهك منذ عقود. لبنان هو الذي نُهبت خيراته، ودُمّرت مؤسساته، وتفكك اقتصاده، وهاجر أبناؤه، وتآكلت سيادته. أما الشعب اللبناني، فقد كان - عن قصد أو عن عجز أو عن إنكار - شريكاً في إنتاج السلطة التي حكمته، وفي إبقائها، وفي إعادة تدويرها مرة بعد مرة، إلى أن فني لبنان الذي عرفناه.

الحقيقة التي لا يريد كثيرون مواجهتها هي أن الشعب اللبناني أنتج الطبقة السياسية التي حكمت البلاد منذ عقود، وساهم في ديمومتها وإعادة انتخابها وبقائها في السلطة.

على مدى سنوات طويلة، لم يُحاسَب الفاسدون. لم تُفتح ملفات جدية للمساءلة. لم يُسقط الشعب منظومة الفساد التي سرقت الدولة وأفرغت مؤسساتها. بل على العكس، قَبِل اللبنانيون بأن تُسرق دولتهم أمام أعينهم، وأن يُدمَّر اقتصادهم، وأن يُهجَّر أبناؤهم، وأن يُذلّوا في يومياتهم.

والأخطر أن كثيرين ظلوا - حتى الأمس القريب وربما حتى اليوم - مستعدين لإعادة انتخاب الطبقة السياسية نفسها التي أوصلت البلاد إلى مرحلة الفوضى والانهيار.

الشعب الذي لم يُحاسب نوابه ووزراءه على الفساد، لم يُحاسبهم أيضاً على السكوت عن تمرد السلاح الخارج عن الدولة، وعن واقع الدويلة الذي تمدد داخل مؤسسات الدولة نفسها.

لسنوات طويلة استمرت المساكنة السياسية داخل مجلس النواب ومجلس الوزراء والقصر الجمهوري. جلس الجميع حول الطاولة نفسها، وتقاسموا السلطة نفسها، فيما كانت الدولة تُقوَّض تدريجياً ويُصادر قرارها السيادي.

السلطة تتحمل المسؤولية الكبرى بلا شك، لكن الحقيقة القاسية أن الشعب بدوره ارتكب جريمة بحق نفسه.

منذ أكثر من عام ونصف، ولبنان يتلقى التحذيرات والنصائح والدعم من المجتمع الدولي. الرسالة كانت واضحة:

التزموا بالقرارات الدولية.

حاصروا واقع الدويلة.

احصروا السلاح بيد الدولة.

اتخذوا القرار السيادي قبل فوات الأوان.

لكن ما فعلته السلطة كان شيئاً واحداً: التذاكي، والمماطلة، والهروب إلى الأمام.

حذّر العالم الدولة اللبنانية من مخاطر خسارة الأرض، ومن احتمال تغيير الجغرافيا السياسية، ومن عودة الاختلالات الأمنية، ومن إمكان القضم التدريجي من الشرق والشمال والجنوب.

لكن الدولة أصرت على التمييع والتغطية، فيما بقي الشعب ساكناً، كأن ما يحدث لا يعنيه، في حالة إنكار نادرة في تاريخ الأمم.

اليوم، وتحت وابل الغارات والقذائف والصواريخ، لم ينتفض الشعب بعد.

لم يصرخ بما يكفي.

لم يستيقظ بما يكفي.

ولهذا، لا يمكن القول إن الشعب هو الضحية.

الضحية الحقيقية هو لبنان.

لبنان ضحية شعبه، وضحية طبقة سياسية فاسدة، وضحية منظومة فضّلت السلطة على الوطن.

منذ أشهر، كان النداء واضحاً: أنقذوا ما يمكن إنقاذه من هذا الوطن المسكين.

لكن السياسيين كانوا مهووسين بانتخابات قد لا تحصل، وبكراسٍ بلا أرجل، وبمناكفات الزواريب والدكاكين السياسية.

لا في الإصلاحات تقدّموا،

ولا في القرارات تجرّأوا،

ولا في الأفعال تحركوا.

والنتيجة أن لبنان اليوم، وبيروت التي كانت تُسمّى “ست الدنيا”، تُركا في قلب العاصفة الهوجاء.

العالم تعب منا. سئمت الدول من وعود لا تُنفّذ، وتقارير مغشوشة، وفساد مكشوف. أعطى العالم لبنان فرصاً ذهبية كي يعيش ويستمر في الشرق الأوسط الجديد.

لكن السلطة، ومعها جزء كبير من الشعب، اختاروا طريقاً آخر: طريق الارتهان، وطريق الإنكار، وطريق الذهاب إلى الجحيم.

والأنكى من كل ذلك أن كثيرين ما زالوا يتصرفون وكأن شيئاً لم يحدث. ما زالوا يتذاكون، وما زالوا منفصلين عن الواقع، وما زالوا يسيرون نحو الانتحار الوطني.

أما العالم، المنشغل بأولوياته وبحماية شعوبه واستقراره واقتصاده، فلن يضيع دقيقة واحدة على دولة وشعب لا يريدان الحياة.

اليوم، لم يعد أمام لبنان سوى طريقين للخروج من هذا الجحيم. طريق أول، لا يملكون شجاعة السير فيه ولا النية ‏بحيث هم في حالة جمود فكري ‏وحالة من الكسل تمنعهم من ابتكار حلول مفيدة اكثر من ارانب نبيه بري مثل الانضمام بوضوح إلى الجهود الدولية  لاقتلاع نفوذ حزب الله وإيران من الأرض اللبنانية واستعادة الدولة سيادتها. وطريق ثانٍ، لا يملكون تواضع الاعتراف به، وهو الإقرار بالعجز الكامل وطلب وضع لبنان تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لإنقاذ ما تبقى من الدولة.

لكن ما داموا عاجزين عن الخيار الأول، ومتغطرسين عن الخيار الثاني، فإن النهاية لن تكون في يد اللبنانيين. النهاية ستكون في يد التحالف الأميركي- الإسرائيلي، ونحن لن نملك سوى أن نتجرّع نتائجها.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة واحدة، لبنان ليس ضحية أعدائه فقط.

لبنان… ضحية أهله أيضاً


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa