لبنان بين الأقوال والأفعال لحظة الحقيقة للدولة

05:20PM

لم يعد اللبنانيون، ولا المجتمع الدولي، يكتفون بسماع التصريحات الرنانة عن سيادة الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية. فلبنان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية، إما أن تتحول هذه التصريحات إلى أفعال واضحة وحاسمة، أو أن تبقى مجرد كلام يبدده الواقع.

لا يمكن، من جهة، الدعوة إلى خطاب يمنح الدولة فرصة للعمل ويطالب اللبنانيين بالصبر والثقة بالمؤسسات، بينما تقوم إحدى أهم مؤسسات الدولة القضائية في اليوم نفسه بتقويض هذا الخطاب. 

لذلك فإن ما صدر عن المحكمة العسكرية من قرارات أثارت غضباً واسعاً لا يمكن اعتباره مجرد تفصيل إداري أو قضائي؛ بل هو رسالة خطيرة توحي بأن مؤسسات الدولة نفسها لا تأخذ قرارات الحكومة على محمل الجد. 

وكيف يمكن إقناع اللبنانيين بأن الدولة جادة في فرض سيادتها إذا كانت بعض مؤسساتها تسخر عملياً من قراراتها؟

إن التناقض بين الخطاب الرسمي وبين الممارسة الفعلية يضرب صدقية الدولة في الصميم. فالدولة لا تُبنى بالبيانات، بل بتطبيق القانون. 

وعندما يرى المواطن أن من ينقل السلاح أو يتجاوز القانون يُعامل بتساهل أو يُطلق سراحه بقرارات تثير الاستغراب، فإن الرسالة التي تصل إلى الناس هي أن هيبة الدولة لا تزال ضعيفة.

اليوم يتمتع رئيس الجمهورية والحكومة بفرصة سياسية نادرة، فهناك شرعية واسعة داخلياً، ودعم دولي واضح، وغضب متزايد داخل البيئة الشيعية نفسها من الثمن الذي يدفعه المجتمع بسبب سياسات "حزب الله"، إضافة إلى تراجع قدرة إيران على فرض إرادتها كما في السابق. 

لذلك، كل هذه العوامل تشكل نافذة تاريخية ينبغي استغلالها بسرعة وحكمة.

فاستغلال هذه اللحظة لا يكون عبر التصريحات فقط، المطلوب خطوات عملية وملموسة على الأرض، من تطبيق القوانين وتفعيل القضاء، اضافة الى ملاحقة المخالفين، وإثبات أن الدولة قادرة على فرض سلطتها على الجميع بلا استثناء. 

فالتاريخ اللبناني مليء بالفرص التي ضاعت لأن القيادات اكتفت بالكلام بدل اتخاذ القرار.

في الموازاة فإن المجتمع الدولي يراقب بدقة ما يجري في لبنان، فالدول الكبرى تدرك أن استقرار لبنان لن يتحقق ما دام هناك سلاح خارج سلطة الدولة. وإذا رأت هذه الدول أن الدولة اللبنانية والجيش اللبناني يتحركان بجدية وفعالية لمواجهة هذا الواقع، فإن ذلك سيغير الحسابات الإقليمية والدولية، عندها فقط يمكن أن يمارس المجتمع الدولي ضغطاً حقيقياً على إسرائيل للموافقة على وقف إطلاق النار وفتح باب التفاوض، لأن الشرط الأساسي لأي استقرار هو وجود دولة لبنانية فاعلة وقادرة.

في المقابل، إذا بقيت الأمور عند حدود التصريحات، فلن يتغير شيء والمجتمع الدولي لن يغامر بالضغط على إسرائيل إذا كان مقتنعاً بأن الدولة اللبنانية غير مستعدة أو غير قادرة على اتخاذ خطوات حقيقية داخل أراضيها.

تبقى الحقيقة أن الدولة اللبنانية تملك اليوم أدوات قانونية وقضائية عديدة يمكن استخدامها فوراً. فهناك قوانين تتعلق بحيازة السلاح غير الشرعي، وتمويل التنظيمات المسلحة، وتبييض الأموال، وخرق السيادة، وغيرها من الملفات التي يمكن أن تشكل مساراً قانونياً حقيقياً يضعف بنية حزب الله ونفوذه. 

فكل هذه الإجراءات، إذا نُفذت بجدية، قد تكون في تأثيرها الاستراتيجي أشد من تدمير مستودع سلاح هنا أو هناك، لأنها تضرب البنية التنظيمية والمالية والسياسية التي يقوم عليها الحزب.

إن قوة الدولة لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدرها، بل بقدرتها على تطبيق القانون. 

ولبنان اليوم أمام اختبار تاريخي، إما أن يثبت أن لديه دولة قادرة على الفعل، أو أن يكرس مرة أخرى صورة الدولة التي تقول شيئاً وتفعل عكسه.

اللبنانيون لا ينتظرون المزيد من الأقوال،إنهم ينتظرون الأفعال.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa