05:04PM
الدكتور قاسم السعد: باحث فيحقوق الإنسان والطفل
في أوقات الأزمات والحروب، يكثر الحديث عن العمل الإنساني، وتظهر المؤسسات والجمعيات والمتطوعون في مشهد يبدو للوهلة الأولى مفعماً بالتضامن والإنسانية. غير أن التمعّن في هذا المشهد يكشف أحياناً مفارقة عميقة: الاهتمام بالكمّ أكثر من النوعية. يصبح عدد السلال الغذائية الموزعة، وعدد المتطوعين المشاركين، وعدد الأنشطة المنفذة مؤشراً على النجاح، بينما يغيب السؤال الأكثر أهمية: هل كانت الاستجابة ذات جودة؟ وهل لامست فعلاً احتياجات الناس وحفظت كرامتهم؟
هذه المفارقة لا تتعارض فقط مع جوهر العمل الإنساني، بل تقف أيضاً على النقيض من فلسفة المعيار الإنساني الأساسي للجودة والمساءلة (CHS – Core Humanitarian Standard) الذي يقوم أساساً على فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن المتضررين من الأزمات ليسوا مجرد متلقين للمساعدة، بل أصحاب حقوق يجب أن تكون الاستجابة الإنسانية خاضعة للمساءلة أمامهم.
غير أن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكمن في غياب المعايير، بل في الفجوة بين تبنيها نظرياً وتطبيقها عملياً. فكثير من المؤسسات تشير في وثائقها وتقاريرها إلى التزامها بمعايير CHS، لكنها تبقى في إطار السياسات المكتوبة ولا تتحول إلى ممارسة يومية في الميدان.
إحدى أبرز مظاهر هذه الفجوة هي العمل وفق منطق ردّ الفعل. فبدلاً من بناء منظومات قادرة على توقع الأزمات والتخطيط المسبق لها، تعتمد بعض المؤسسات على الاستجابة بعد وقوع الحدث. وفي سياقات الحروب والنزوح، حيث تتسارع التحولات وتتفاقم الاحتياجات، تصبح الاستجابة المرتجلة مكلفة إنسانياً ومهنياً. بينما تؤكد معايير CHS، خصوصاً الالتزامين الأول والثاني، على ضرورة أن تكون الاستجابة ملائمة للاحتياجات وفعّالة وفي الوقت المناسب، وهو أمر لا يمكن تحقيقه دون تحليل للمخاطر واستعداد مسبق.
جانب آخر من المشكلة يتمثل في ضعف الاستثمار في تطوير الكادر البشري. فالأزمات المعاصرة لم تعد بسيطة أو أحادية البعد، بل تتطلب مهارات متخصصة في الحماية، وإدارة مراكز الإيواء، والدعم النفسي الاجتماعي، وإدارة المخاطر، والتواصل مع المجتمعات. ومع ذلك، نجد أن كثيراً من العاملين والمتطوعين يدخلون إلى العمل الإنساني دون تدريب كافٍ أو تأهيل مستمر. وهذا يتناقض مع الالتزام الثامن في CHS الذي يؤكد أن العاملين في المجال الإنساني يجب أن يكونوا مؤهلين ومدعومين وقادرين على أداء مهامهم بكفاءة ومهنية.
ولا يمكن إغفال مسألة الاعتماد المفرط على المتطوعين غير المدربين. فالمتطوعون يمثلون طاقة إنسانية مهمة، لكن العمل الإنساني لا يمكن أن يُدار بروح النوايا الحسنة وحدها. فالمتطوع غير المؤهل قد يقدم خدمة بنية طيبة، لكنه قد يسبب أحياناً أضراراً غير مقصودة، خصوصاً في المجالات الحساسة مثل الحماية أو الدعم النفسي الاجتماعي.
لكن التحدي الأعمق ربما يكمن في غياب ما يمكن تسميته “ثقافة المعايير” داخل المؤسسة. فالمعايير الإنسانية لا تتحقق بمجرد إدراجها في دليل إجرائي أو سياسة مكتوبة. إنها تحتاج إلى عملية تحسيس وتدريب مستمر تجعلها جزءاً من رؤية المؤسسة وقيمها وسلوكها اليومي. عندما يدرك العاملون والمتطوعون أن احترام كرامة المستفيد، والشفافية، والمساءلة أمام المجتمع ليست إجراءات إدارية، بل قيم أخلاقية ومهنية، عندها فقط تتحول المعايير إلى ممارسة حقيقية.
إن العمل الإنساني، في جوهره، ليس سباقاً في الأرقام، بل مسؤولية أخلاقية ومهنية تجاه الإنسان في لحظة ضعفه. لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات الإنسانية اليوم ليس فقط كيف تقدم المساعدة، بل كيف تقدمها بشكل يحفظ الكرامة ويحقق الأثر الحقيقي.
وبهذا المعنى، فإن معايير CHS ليست مجرد إطار تنظيمي، بل رؤية أخلاقية للعمل الإنساني. وعندما تصبح هذه الرؤية جزءاً من ثقافة المؤسسة، تنتقل الاستجابة الإنسانية من ردّ فعل عفوي إلى عمل مهني قائم على الجودة والمساءلة واحترام الإنسان.
ففي العمل الإنساني، ليست القوة بكثرة الأنشطة أو المتطوعين، بل بقدرة المؤسسة على تحويل المبادئ إلى ممارسة حقيقية في الميدان.
شارك هذا الخبر
غارات الطيران الحربي الإسرائيلي تستهدف القنطرة
"حزب الله" يستهدف جرافة في مشروع الطيبة بصاروخ موجه
منظمة الصحة العالمية ترصد مليوني دولار لدعم الطوارئ الصحية في لبنان والعراق وسوريا
حنين السيد: تمديد صلاحية بطاقات الإعاقة حتى 15 نيسان والعمل على تأمين إيواء مناسب
اتصال بين عون وتبون والجزائر تؤكد دعمها للبنان
مصلحة الليطاني تشكر الرهبانية المخلصية على دعم تشغيل معملي الأولي وجون
تقرير غرفة إدارة كوارث عكار: 10 آلاف نازح ضمن 2,606 عائلات
رجي يعزي كاهن القليعة ويؤكد دعم الأهالي للبقاء في قراهم
آخر الأخبار
أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني
إشتراك
Contact us on
[email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa