القانون الدولي الإنساني: حماية لا تقبل التأويل

30/03/2026 10:00PM

كتب الباحث في حقوق الإنسان والطفل الدكتور قاسم السعد:

‎يُشكّل القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمته اتفاقية جنيف الرابعة، المرجعية الأساسية في تنظيم العلاقة بين القوة القائمة بالاحتلال والسكان الواقعين تحت سلطتها. وتنص الاتفاقية بوضوح على أن هؤلاء الأشخاص يتمتعون بوضع “أشخاص محميين”، بما يفرض قيودًا صارمة على الإجراءات العقابية التي يمكن اتخاذها بحقهم.

‎في هذا الإطار، لا يُحظر مبدأ العقوبة بحد ذاته، ولكن تُقيَّد العقوبات بقيود جوهرية أبرزها ضمان محاكمة عادلة ومستقلة، احترام مبدأ التناسب، وحظر العقوبات الجماعية أو الانتقامية.

‎إن أي توسيع لاستخدام عقوبة الإعدام، خاصة في سياق سياسي وأمني متوتر، يثير شبهات جدية حول انزلاق هذه العقوبة من إطارها القضائي الضيق إلى أداة ردع جماعي، وهو ما يتعارض مع جوهر الحماية التي أرستها اتفاقيات جنيف.

‎حدود سلطة الاحتلال: التشريع ليس مطلقًا

‎تُقيّد المادة 64 من اتفاقية جنيف الرابعة صلاحيات سلطة الاحتلال في تعديل القوانين السارية في الأراضي المحتلة، بحيث لا يجوز إدخال تغييرات جوهرية إلا في حدود ضيقة تتعلق بالأمن أو تسهيل الإدارة.

‎وعليه، فإن سنّ تشريع جديد يُدخل عقوبة الإعدام أو يوسّع نطاقها بشكل جوهري، لا يمكن اعتباره إجراءً إداريًا عاديًا، بل يُحتمل أن يُصنّف كتغيير بنيوي في النظام القانوني، يخدم اعتبارات أمنية وسياسية للقوة المحتلة، وليس مصلحة السكان الواقعين تحت الاحتلال.

‎وهنا يبرز الإشكال الجوهري: هل يُستخدم القانون كأداة لتنظيم العدالة، أم كوسيلة لإعادة هندسة السيطرة؟

‎الحق في الحياة: خط أحمر في القانون الدولي

‎إلى جانب القانون الدولي الإنساني، تظل إسرائيل ملزمة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يكرّس الحق في الحياة كحق غير قابل للتقييد إلا ضمن شروط استثنائية وضيقة للغاية.

‎تنص المادة السادسة من العهد على أن عقوبة الإعدام، حيثما وُجدت، يجب أن تقتصر على “أشد الجرائم خطورة”، وأن تُفرض فقط بعد محاكمة تستوفي أعلى معايير العدالة.

‎لكن الإشكالية لا تكمن فقط في النص القانوني، بل في السياق محاكم عسكرية، اختلال في موازين القوة، وبيئة نزاع مفتوح.

‎في مثل هذا السياق، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت شروط “المحاكمة العادلة” متحققة فعلًا، أم أن الإجراء برمّته يجري في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من التكافؤ القانوني.

‎من العقوبة إلى الجريمة: الانزلاق الخطير

‎يُحذّر القانون الدولي من أن الاستخدام غير المشروع لعقوبة الإعدام قد يرتقي إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة. فإعدام أشخاص محميين دون ضمانات قانونية صارمة يمكن أن يُصنّف قتل عمد، انتهاك جسيم لاتفاقيات جنيف، وجريمة حرب.

‎وإذا ما تم هذا الإجراء بشكل منهجي أو واسع النطاق، فقد يفتح الباب أمام توصيفات أخطر، مثل الجرائم ضد الإنسانية، خاصة إذا ارتبط بسياسات تمييزية أو استهداف جماعي لفئة محددة.

‎الاتجاه الدولي: نحو الإلغاء لا التوسّع

‎يتجه المجتمع الدولي، خلال العقود الأخيرة، نحو تقييد عقوبة الإعدام وصولًا إلى إلغائها، وقد دعت الأمم المتحدة مرارًا إلى وقف تنفيذها، لا سيما في السياقات التي تفتقر إلى ضمانات العدالة الكافية.

‎في هذا السياق، يبدو أي توجه نحو توسيع نطاق هذه العقوبة، خصوصًا في بيئة نزاع واحتلال، خروجًا عن المسار الدولي العام، وتحديًا للمعايير التي تسعى المنظومة الدولية إلى ترسيخها.

‎خاتمة: حين يفقد القانون وظيفته

‎القانون، في جوهره، ليس أداة للسيطرة، بل وسيلة لتحقيق العدالة وضمان الكرامة الإنسانية. وعندما يُستخدم لتبرير أقصى أشكال العقوبة في سياق يفتقر إلى التوازن والضمانات، فإنه يفقد وظيفته الأصلية، ويتحوّل إلى امتداد للسلطة بدل أن يكون قيدًا عليها.

‎إن إقرار قانون يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق الاحتلال، ولا عن اختلال موازين العدالة، ولا عن منظومة قانونية دولية وُجدت تحديدًا لمنع مثل هذا الانزلاق.

‎وفي هذا المعنى، لا يُختبر القانون هنا بمدى صرامته، بل بمدى قدرته على حماية الإنسان حتى، وربما خصوصًا، في أحلك الظروف.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa