حين لا تُحسم الحرب على الحدود… هل يُدف لبنان إلى الداخل؟

26/04/2026 06:52PM

كتب
الباحث في حقوق الإنسان والطفل الدكتور قاسم السعد: 

في الحروب، الهدن لا تعني السلام… بل تعني تغيير قواعد اللعبة. ما يبدو وقفًا لإطلاق النار، قد يكون في الحقيقة انتقالًا من المواجهة العسكرية إلى أدوات أكثر تعقيدًا: ضغط سياسي، توتر داخلي، واستنزاف طويل الأمد. وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل يُدفع لبنان من جبهة الحدود إلى جبهة الداخل؟

لبنان أصلًا لا يحتاج إلى من “ينقل” إليه الصراع… فهشاشته الداخلية قائمة: انقسام سياسي حاد، أزمة اقتصادية خانقة، ونظام توازناته دقيقة وسريعة الانكسار. وهذا ما يجعله بيئة مثالية لاستراتيجية تقوم على الضغط دون انفجار، والتفكيك دون حرب شاملة.

في المقابل، لا تبدو إسرائيل معنية اليوم بحرب مفتوحة ذات كلفة عالية وغير مضمونة النتائج. لكنها أيضًا لا تفضّل لبنان متماسكًا أو موحّدًا سياسيًا. وبين هذين الحدّين، تنشأ منطقة رمادية: إبقاء التوتر قائمًا، وتعزيز الانقسام، ودفع القوى الداخلية إلى الاشتباك السياسي بدل إنتاج موقف وطني جامع.

ضمن هذا المشهد، يكتسب أي جهد لإعادة ترميم الداخل اللبناني بُعدًا إقليميًا. فالمساعي التي تقودها المملكة العربية السعودية لا تقتصر على تهدئة الداخل، بل قد تؤدي—في حال نجاحها—إلى إعادة حدّ أدنى من التماسك السياسي، ما يضيّق هامش الاستثمار في الانقسامات.

لكن هذه المبادرات لا تُواجه بالضرورة بإفشال مباشر، بل تُترك تحت ضغط دائم، بحيث تبقى محدودة التأثير. فاستقرار لبنان الكامل ليس هدفًا مريحًا في سياق إدارة الصراع، كما أن الفوضى الشاملة ليست خيارًا قابلًا للضبط.

هنا، يتغيّر شكل السؤال: ليس هل ستقع اغتيالات، بل كيف يمكن لـ”أحداث محدودة” أن تعيد تشكيل المشهد؟

التجربة اللبنانية تُظهر أن الاغتيالات غالبًا ما تكون أدوات لإعادة رسم التوازنات، لا أهدافًا بحد ذاتها. ومع ذلك، تبقى محفوفة بمخاطر عالية، لأن أي خطأ في الحساب قد يفتح الباب أمام تصعيد غير قابل للسيطرة.

لذلك، يبدو السيناريو الأقرب ليس انفجارًا واسعًا، بل حالة ضغط مركّبة: توترات موضعية، خطاب سياسي متصاعد، قلق اجتماعي، وربما أحداث أمنية محدودة تُستخدم كرسائل أكثر منها كبدايات لحرب.

ويبقى العامل الاقتصادي الحلقة الأضعف. فلبنان، الذي يعيش واحدة من أعمق أزماته، لا يحتاج إلى صدمات كبيرة ليدخل في دوامة اضطراب. أي اهتزاز—even محدود—قد يتحول سريعًا إلى توتر اجتماعي وضغط سياسي.

المفارقة الخطيرة أن لبنان قد لا يُستهدف بالانفجار… بل بالاهتزاز المستمر.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كلما ازداد الانقسام، تراجعت قدرة الدولة على حماية نفسها، وازدادت قابلية البلد لأن يتحول إلى ساحة مفتوحة للضغط.

الهدنة، إذًا، ليست نهاية المواجهة… بل اختبار أصعب:
هل يستطيع لبنان حماية تماسكه تحت الضغط؟
أم ينزلق تدريجيًا إلى معركة داخلية لا يريدها أحد… لكنها تخدم كثيرين؟


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa