28/04/2026 10:12AM
كتب جو مجلي - المنسق العام للاعلام في المؤتمر الدائم للفدرالية في السياسة:
لبنان ليس دولة بالمعنى الحقيقي، بل أرض جمعت شعوباً متعددة متناقضة ضمن محاولة بنيوية مركزية فاشلة لقيام دولة، رغم أنّ طبيعته في جوهرها هي كيان تعددي. هذه التعددية لم تكن يوماً المشكلة، بل كانت الواقع الذي كان يفترض أن يُبنى عليه نظام يعترف بها، ينظّمها، ويرعاها تمهيداً للانتقال إلى مواطنة حقيقية.
لكن الخطأ التأسيسي كان في الفرضية نفسها: محاولة إدارة هذا التعدد ضمن نموذج مركزي لا يعكسه. فبدل أن تُنظَّم التناقضات، جرى إنكارها. وبدل أن تُحتوى، تُركت تتصادم داخل بنية عاجزة. وهنا تحوّلت التعددية من مصدر غنى إلى مصدر دائم للصراع.
فتحَوّل لبنان إلى حلبة مفتوحة لصراع الديوك، لا لأن شعوبه متعددة، بل لأن النظام فشل في تنظيم هذا التعدد. ومع الوقت، تحوّلت التناقضات، في ظل غياب إدارة سياسية سليمة، إلى مصدر دائم للعنف والاقتتال والحروب، وإلى بيئة تُنتج التوتر والفشل والانهيار بشكل متكرر.
ومع كل جولة صراع، لم تكن الحلول تنبع من الداخل، بل كانت تُفرض من الخارج. فدخلت القوى الإقليمية على خط التوازنات، وربطت كل مكوّن بمحورها، فبات الداخل انعكاساً لصراعات الخارج، لا تعبيراً عن مصلحة وطنية.
ثم جاءت لحظة الطائف عام 1989، لا كتصحيح للمسار، بل كتكريس للخلل. فبدل أن يؤسّس لنظام يحترم التعددية عبر تنظيمها، أعاد توزيع السلطة على ثلاثة رؤوس داخل بنية مركزية، فكرّس تعدّد مراكز القرار المتصارعة بدل بناء صيغة واضحة ومستقرة.
وهكذا، لم تعد المشكلة في غياب القرار، بل في استحالة إنتاجه. كل استحقاق بات رهينة صراع هذه المراكز أو توافقها المستحيل، ما يستدعي تدخّل القوى الإقليمية لفرض التسويات. ومن هنا ترسّخت وصاية غير مباشرة ودائمة على لبنان، حيث بات القرار الداخلي يُدار بتوازنات تُفرض من الخارج.
لذلك، جوهر الأزمة في لبنان ليس في تعدديته، بل في نظام مركزي فشل في فهمها وإدارتها. نظام لم يحترم الإنسان اللبناني، ولا خصوصياته، ولا تناقضاته، بل وضعه داخل بنية تولّد الصراع بدل أن تحتويه.
اليوم، ومع الانهيار الشامل—اقتصاد مفلس، مؤسسات منهارة، أمن هش—يتبيّن أنّ هذه الصيغة استنفدت نفسها. لم تعد قابلة للإصلاح لأنها قائمة على إنكار الواقع، لا على تنظيمه.
في هذا السياق، يصبح السلام مع الدول المجاورة، وعلى رأسها إسرائيل، ليس خياراً سياسياً قابلاً للنقاش، بل ضرورة جغرافية واستراتيجية. فلا دولة يمكن أن تستمر في حالة عداء دائم مع حدودها المباشرة وتبقى قائمة. السلام هنا شرط بقاء، لا موقف.
لكن لبنان، بصيغته الحالية، عاجز حتى عن اتخاذ هذا القرار، لأنه ببساطة ليس دولة قادرة على القرار.
وهنا تتضح الحقيقة: نحن لا نحتاج إلى توحيد قسري، بل إلى تنظيم عقلاني للتعدد. لا نحتاج إلى صهر الهويات، بل إلى إطار يعترف بها وينظّمها.
الفيدرالية ليست ترفاً سياسياً، بل الحل الطبيعي لكيان تعددي. هي الإطار الذي يسمح لكل مكوّن أن يدير نفسه ضمن دولة واحدة، ويحوّل التعدد من مصدر صراع إلى مصدر استقرار.
أمّا الحياد، فهو ضرورة لحماية هذا التوازن من صراعات الخارج.
وإذا استمر الإنكار، وإذا بقيت القضايا المصيرية رهينة صراع داخلي وتدخل خارجي، فإن النتيجة لن تكون إصلاحاً، بل انفصالاً يفرض نفسه.
لبنان اليوم ليس أمام أزمة عابرة، بل أمام لحظة تقرير مصير: إما إعادة بناء الدولة على أساس الاعتراف بالتعدد وتنظيمه، أو سقوط الكيان تحت وطأة تناقضاته.
شارك هذا الخبر
ترامب يلتقي زيلينسكي والشرع على هامش قمة الناتو في تركيا
رابطة التعليم الأساسي تناشد بري: الغلاء يلتهم رواتبنا ونطالب بجلسة عاجلة لإقرار الزيادات
البحرين تحاكم 19 متهماً بتأسيس تنظيم مرتبط بالحرس الثوري الإيراني
تعميم صورة شاب سوري فُقد بعد مغادرته منزله في نهر إبراهيم
قاليباف خلال لقائه فنيش: السلام في لبنان والمنطقة لا يتحقق إلا عبر إيران
روجيه فغالي يتوّج بلقب "رالي إهدن" الثلاثين
ضغوط داخلية على نتنياهو بسبب الإطار الثلاثي
الحزب الشيوعي الفرنسي يجدد الثقة بفابيان روسيل وسط ترقب لإعلان ترشحه للرئاسة
آخر الأخبار
أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني
إشتراك
Contact us on
[email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa