21/05/2026 06:26PM
كتب الدكتور قاسم السعد، باحث في حقوق الإنسان والطفل:
في لبنان، لا يعيش اللاجئون الفلسطينيون أزمة واحدة يمكن اختصارها بالفقر أو اللجوء أو غياب الحقوق المدنية فقط، بل يعيشون حالة مركّبة من التهميش التاريخي، والقلق الوجودي، والتحولات الإقليمية، والانهيار الاقتصادي اللبناني، إضافة إلى شعور متزايد لدى الأجيال الجديدة بأن الزمن يتحرك من حولهم بينما بقيت كثير من الخطابات والأدوات التي تُدار بها قضيتهم عالقة في الماضي.
وهنا يبرز سؤال بالغ الحساسية:
هل يحتاج الفلسطينيون في لبنان إلى تطوير لغة وأدوات جديدة لمعالجة مشاكلهم الداخلية والخارجية؟
وهل يمكن للغة مختلفة أن تؤثر فعلاً في مصير مجتمع يعيش منذ أكثر من سبعة عقود تحت عنوان “اللجوء المؤقت”؟
هذا السؤال لا يتعلق بالتخلي عن الهوية الوطنية أو إسقاط حق العودة أو إعادة تعريف القضية الفلسطينية وفق مقاسات الواقع السياسي القائم، بل يتعلق أساسًا بكيفية حماية الإنسان الفلسطيني نفسه من التحلل الاجتماعي والنفسي والاقتصادي داخل واقع طويل من الانتظار وعدم اليقين.
فالمشكلة أن جزءًا من اللغة السياسية والاجتماعية المستخدمة داخل البيئة الفلسطينية ما زال يستند إلى مفردات تعود إلى مراحل تاريخية مختلفة تمامًا عن الواقع الحالي.
لغة التعبئة الكبرى، والانقسام الأيديولوجي، والصراع الفصائلي، والخطابات العاطفية، والرموز الثورية التقليدية، كانت تنتمي إلى زمن كانت فيه المنطقة كلها تتحرك ضمن معادلات مختلفة. أما اليوم، فإن العالم نفسه تغيّر، وتغيّرت أدوات القوة، وتغيّرت طبيعة المجتمعات، وحتى شكل الصراع.
الأجيال الفلسطينية الجديدة في لبنان لم تعد تسأل فقط عن الشعارات الكبرى، بل عن الحياة نفسها.
تسأل عن العمل، والتعليم، والهجرة، والصحة النفسية، والكرامة اليومية، والأمان الاجتماعي، ومستقبل الأطفال، والقدرة على العيش بحد أدنى من الاستقرار داخل مخيمات تعاني من الفقر والاكتظاظ والتوتر الأمني وتراجع الخدمات.
وهنا تكمن الفجوة الخطيرة بين لغة قديمة تُنتج خطابًا تعبويًا عامًا، وبين واقع جديد يحتاج إلى أدوات مختلفة بالكامل.
فالمخيم اليوم لا يحتاج فقط إلى بيانات سياسية، بل يحتاج إلى اقتصاد اجتماعي حقيقي، وإلى تعليم حديث يربط الشباب بالعالم الرقمي، وإلى برامج حماية مجتمعية، ومساحات آمنة للأطفال والشباب، وإلى مقاربات جديدة للصحة النفسية والعنف والإدمان والتطرف.
ويحتاج أيضًا إلى قيادات قادرة على فهم التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها الجيل الجديد، لا الاكتفاء بإعادة إنتاج خطاب الماضي.
حتى مفهوم “الصمود” نفسه يحتاج إلى إعادة تعريف.
فالصمود لم يعد يعني فقط البقاء داخل المخيم أو تحمل الفقر والحرمان، بل أصبح يعني القدرة على منع انهيار الإنسان نفسيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا.
لأن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس فقط القصف أو الفقر، بل فقدان المعنى والأمل والقدرة على تخيّل المستقبل.
وفي هذا السياق، يبدو التشابه كبيرًا بين الشباب الفلسطيني والشباب اللبناني، رغم الاختلاف العميق في التجربة التاريخية والسياسية لكل منهما.
كلاهما يعيش شعورًا متزايدًا بانسداد الأفق.
كلاهما يعاني من هشاشة اقتصادية وانعدام الثقة بالنخب السياسية والمؤسسات القائمة.
كلاهما يشعر أن الأزمات أكبر من قدرته الفردية على التأثير.
وكلاهما يرى الهجرة كأنها الخلاص الوحيد الممكن.
الشاب اللبناني يشعر أحيانًا أنه رهينة نظام طائفي مغلق،
والشاب الفلسطيني يشعر أحيانًا أنه رهينة اللجوء الطويل.
لكن الاثنين يشتركان في شعور داخلي عميق بأنهم وُلدوا داخل أزمات لم يختاروها، وأن مستقبلهم يتم تحديده غالبًا خارج إرادتهم.
ولهذا فإن استمرار استخدام اللغة القديمة نفسها قد يقود إلى نتائج خطيرة.
فعندما يتحول الخطاب إلى مجرد إعادة دائمة للذاكرة دون إنتاج أدوات للمستقبل، يصبح المجتمع مهددًا بالانكفاء أو العنف أو التفكك أو الهجرة الجماعية أو الوقوع في أشكال مختلفة من الاستغلال السياسي والديني والاجتماعي.
أما تطوير لغة وأدوات جديدة، فلا يعني “التطبيع” مع المأساة أو التخلي عن الحقوق، بل يعني الانتقال من منطق إدارة البؤس إلى منطق بناء الإنسان.
أي الانتقال من خطاب الضحية الدائمة إلى خطاب الكرامة والقدرة والحقوق والمعرفة والإنتاج والمشاركة.
فالقضية الفلسطينية لا تُحمى فقط بالشعارات، بل أيضًا بحماية الإنسان الفلسطيني نفسه من الانهيار، وبمنحه القدرة على التعلم والعمل والتفكير الحر والمشاركة وصناعة المعنى داخل حياته اليومية.
وفي النهاية، قد تكون المعضلة الحقيقية في لبنان، سواء لدى الفلسطينيين أو اللبنانيين أنفسهم، أن الجميع يعيش داخل نظام لغوي وسياسي ونفسي لم يعد قادرًا على إنتاج المستقبل.
ولهذا فإن المعركة الأهم اليوم ليست فقط معركة اقتصاد أو سياسة أو لجوء، بل معركة إعادة تعريف الإنسان ودوره ومكانه وأدواته في عالم يتغير بسرعة هائلة.
لأن المجتمعات لا تنهار فقط حين تخسر الحروب، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج لغة جديدة للحياة.
شارك هذا الخبر
الاتحاد الأوروبي يدعو إلى تطبيق القرار 1701 ويشدد على وقف الأعمال العسكرية في لبنان
حاصباني: إيران تقترب تدريجياً من مرحلة حرجة في قطاع النفط
منظمة الصحة العالمية تحذر من تسارع تفشي إيبولا في وسط إفريقيا
الحشيمي: استهداف الجيش اللبناني يعرقل مساعي التهدئة ويستوجب تحركًا دوليًا
الجامعة اللبنانية تؤجل امتحانات مجمع الحدث أسبوعاً إضافياً
قوى الأمن تعمم صورة موقوف بجرم احتيال وتدعو ضحاياه للتقدم بشكاوى
الجامعة اللبنانية: تأجيل الامتحانات في كافة فروع كليات الجامعة ومعاهدها في مدينة رفيق الحريري الجامعية – الحدث أسبوعًا إضافيًا حتى مساء الأحد 14 حزيران 2026.
تيمور جنبلاط: حان الوقت للالتفاف حول موقف رئيس الجمهورية ووقف الحرب على لبنان
آخر الأخبار
أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني
إشتراك
Contact us on
[email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa