هل يستيقظ الكونغرس متأخراً؟

09:09AM

كتب قاسم السعد باحث في حقوق الإنسان والطفل: 


في خضم الجدل الدائر حول قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصلاحياته الواسعة، ينشغل كثيرون بالسؤال الخطأ. فالقضية ليست ما إذا كان ترامب رئيساً قوياً أو مثيراً للجدل، بل ما إذا كانت المؤسسات الأمريكية قد سمحت على مدى عقود بتراكم سلطات استثنائية في يد الرئاسة، بحيث أصبح أي رئيس يمتلك قدرة متزايدة على التأثير في الداخل الأمريكي وفي النظام الدولي بأسره.

ما نشهده اليوم ليس صراعاً بين ترامب والكونغرس بقدر ما هو صراع بين مفهومين للحكم. الأول يقوم على التوازن الدستوري بين السلطات كما أراده الآباء المؤسسون للولايات المتحدة، والثاني يقوم على مركزية القرار في البيت الأبيض تحت ذرائع الأمن القومي والطوارئ والأزمات الدولية.

الحقيقة أن ظاهرة “الرئاسة القوية” لم تبدأ مع ترامب. فمنذ الحرب الباردة، ثم بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، أخذت السلطة التنفيذية تتوسع بصورة تدريجية. فالحروب، والعقوبات الاقتصادية، وحالات الطوارئ، والملفات الأمنية الحساسة، كلها منحت الرؤساء المتعاقبين نفوذاً متزايداً على حساب الكونغرس. ولم يكن ذلك نتيجة رغبة الرؤساء وحدهم، بل أيضاً نتيجة قبول المؤسسة التشريعية بالتنازل التدريجي عن بعض صلاحياتها.

لكن ما يميز ترامب أنه دفع هذه الظاهرة إلى واجهة المشهد. فهو يستخدم الصلاحيات الرئاسية بثقة عالية، ويتعامل مع الرئاسة باعتبارها مركز الثقل الأساسي في النظام السياسي الأمريكي. وبهذا المعنى، فإن ترامب لم يصنع الأزمة، بل كشف حجمها.

اليوم، يبدو أن الكونغرس بدأ يدرك أنه خسر خلال العقود الماضية جزءاً من دوره التاريخي. فالنقاشات الأخيرة حول صلاحيات الحرب، وحول حدود استخدام قوانين الطوارئ، وحول الدور الرقابي للمؤسسة التشريعية، تعكس محاولة متأخرة لاستعادة بعض التوازن الذي اختل بين السلطات.

غير أن السؤال الأهم هو: لماذا يهم ذلك العالم خارج الولايات المتحدة؟

الجواب يكمن في أن القرارات الأمريكية لا تبقى داخل حدودها. فكل توسع أو تقييد لصلاحيات الرئيس الأمريكي ينعكس مباشرة على مناطق النزاع والتوتر في العالم، وفي مقدمتها الشرق الأوسط.

إيران، على سبيل المثال، تنظر إلى هذا الجدل من زاوية استراتيجية بحتة. فكلما ازدادت قدرة الكونغرس والمحاكم على مراقبة قرارات الرئيس، تراجعت احتمالات اتخاذ خطوات عسكرية مفاجئة أو قرارات تصعيدية سريعة ضدها. وهذا لا يعني أن الكونغرس أكثر ودية تجاه إيران من البيت الأبيض، بل يعني أن عملية اتخاذ القرار تصبح أكثر تعقيداً وأبطأ وأكثر خضوعاً للنقاش السياسي والمؤسساتي. بالنسبة لطهران، فإن وجود ضوابط إضافية على السلطة التنفيذية الأمريكية يوفر هامشاً أوسع للمناورة السياسية والدبلوماسية.

أما لبنان، فإن تأثير هذا التحول عليه قد يكون أكثر مباشرة. فمنذ عقود، يدفع اللبنانيون أثمان الصراعات الإقليمية والدولية التي تتجاوز حدود بلادهم. وكلما ارتفع مستوى التوتر بين واشنطن وطهران، وجد لبنان نفسه في قلب العاصفة، سواء من خلال الضغوط السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية.

ومن هنا، فإن أي عودة لدور أكبر للكونغرس في قضايا الحرب والسياسة الخارجية قد تساهم في تخفيف احتمالات الانزلاق نحو مواجهات واسعة في المنطقة. فلبنان لا يحتاج إلى مزيد من الحروب أو التصعيد، بل إلى بيئة إقليمية أكثر استقراراً تسمح له بمواجهة أزماته الداخلية العميقة. كما أن تراجع منطق القرارات الأحادية والسريعة قد يفتح المجال أمام مقاربات أكثر اعتماداً على الدبلوماسية والتسويات السياسية.

لكن من الخطأ الاعتقاد أن استعادة الكونغرس لبعض صلاحياته ستقود تلقائياً إلى تغيير جذري في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. فهناك مصالح استراتيجية أمريكية ثابتة تتجاوز الأشخاص والأحزاب. ومع ذلك، فإن الفرق بين قرار يصدر عن رئيس منفرد وقرار يمر عبر مؤسسات الدولة كافة يمكن أن يكون كبيراً في توقيته وشكله وحدّة نتائجه.

لذلك، فإن ما يجري اليوم في واشنطن يتجاوز بكثير الخلافات الحزبية التقليدية. إنه نقاش حول طبيعة القوة الأمريكية نفسها، وحول قدرة المؤسسات على ضبط السلطة التنفيذية ومنع تركزها في يد شخص واحد، أياً كان اسمه أو انتماؤه السياسي.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل استيقظ الكونغرس فعلاً للدفاع عن دوره الدستوري، أم أن هذه الصحوة جاءت بعد أن أصبحت الرئاسة الأمريكية أقوى من أن يعيدها أحد بسهولة إلى حدودها التقليدية؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط شكل النظام السياسي الأمريكي في السنوات المقبلة، بل قد تحدد أيضاً شكل الاستقرار أو التوتر في مناطق عديدة من العالم، من بينها إيران ولبنان والشرق الأوسط بأسره.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa