"الحزب "دمّر لبنان من أجل مصالح إيران

11/06/2026 10:25AM

منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي، نجح "حزب الله " في فرض نفسه لاعباً أساسياً على الساحة اللبنانية، مستفيداً من ظروف الحرب الأهلية والاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. إلا أن الحزب لم يكتفِ بدور سياسي أو عسكري ضمن الدولة، بل بنى مع مرور السنوات دولة موازية تمتلك قرارها الأمني والعسكري الخاص، وترتبط عقائدياً وسياسياً واستراتيجياً بإيران. 

ومع الوقت، بات واضحاً أن أولويات الحزب لا تنطلق من المصلحة اللبنانية بقدر ما تنطلق من متطلبات المشروع الإيراني في المنطقة.

لقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً نتيجة هذا الارتباط. فكلما دخلت إيران في مواجهة إقليمية أو أرادت استخدام إحدى أوراقها للضغط والتفاوض، كان لبنان من بين الساحات التي تُستخدم لتحقيق هذه الأهداف. وهكذا تحوّل بلد صغير يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية واجتماعية مزمنة إلى ساحة صراعات مفتوحة لا قدرة له على تحمل نتائجها.

أحد أخطر الأمثلة على ذلك كان ما سُمّي بحروب الإسناد. فبدلاً من حماية لبنان وشعبه، زجّ "حزب الله " البلاد في مواجهة عسكرية واسعة النطاق أدت إلى تدمير القرى والبلدات الجنوبية والبقاعية، وإلحاق أضرار هائلة بالبنية التحتية والمنازل والمؤسسات الزراعية والتجارية. مما ادى الى فقدان آلاف العائلات لمنازلها، كذلك اضطرّ مئات الآلاف  إلى النزوح، فيما تحولت مناطق كاملة إلى مناطق منكوبة تحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة إعمارها.

علما انه لم يكن ذلك الحدث الأول من نوعه. فمنذ عقود يعيش لبنان في دائرة من الحروب والأزمات الناتجة عن وجود قوة عسكرية خارج سلطة الدولة. فكل مواجهة عسكرية تجرّ معها موجات من الدمار والخسائر البشرية، وتؤدي إلى تعطيل الاقتصاد وهروب الاستثمارات وتراجع السياحة وانهيار الثقة الدولية بلبنان. وفي كل مرة يكون المواطن اللبناني هو من يدفع الثمن، بينما تبقى القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلم خارج إطار المؤسسات الشرعية.

من هنا، فإن الكلفة الاقتصادية لسياسات "حزب الله " لا تقل خطورة عن الكلفة الأمنية. حيث ساهمت الحروب المتكررة في تدمير قطاعات الإنتاج والزراعة والتجارة، وأدت إلى تراجع فرص العمل وازدياد معدلات الفقر والهجرة. كما أن ارتباط الحزب بمحاور إقليمية وصراعات خارجية جعل لبنان عرضة للعقوبات والعزلة وفقدان الدعم والاستثمارات الأجنبية. وبينما كانت دول المنطقة تتجه نحو التنمية والانفتاح الاقتصادي، كان لبنان يغرق أكثر فأكثر في الأزمات والانهيار.

اضافة الى كل ذلك ، فقد أدى السلاح غير الشرعي إلى إضعاف الدولة اللبنانية ومؤسساتها. حيث لا  يمكن لدولة أن تكون قوية بينما يوجد على أرضها تنظيم مسلح يمتلك قدرات عسكرية تفوق قدرات مؤسساتها الرسمية ويتخذ قرارات استراتيجية بمعزل عنها.

كما أصبح الجيش اللبناني والقوى الأمنية يتحملون مسؤولية حفظ الأمن والاستقرار، فيما يبقى قرار الحرب والسلم بيد جهة أخرى لا تخضع للمحاسبة الشعبية أو الدستورية.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد ساهمت هذه السياسات في تعميق الانقسامات بين اللبنانيين، وإشاعة مناخ من الخوف والرقابة الذاتية داخل العديد من البيئات اللبنانية. فكل نقاش حول مستقبل السلاح أو دور الحزب يتحول إلى قضية حساسة، ما يعيق قيام حوار وطني حقيقي حول مستقبل البلاد وكيفية إنقاذها من الانهيار المستمر.

وفي السياق، فإن التجارب التي عاشها اللبنانيون خلال العقود الماضية أثبتت أن استمرار هذا الواقع يعني المزيد من الحروب والدمار والنزوح والفقر. لذلك أصبح من الضروري الانتقال إلى مرحلة جديدة يكون فيها السلاح محصوراً بالكامل بيد الدولة اللبنانية، ويكون الجيش اللبناني وحده المسؤول عن الدفاع عن الحدود وحماية السيادة الوطنية.

كما بات من المؤكد إن نزع سلاح "حزب الله" لم يعد مجرد مطلب سياسي لفريق دون آخر، بل بات ضرورة وطنية تتعلق ببقاء لبنان نفسه. فلا يمكن بناء اقتصاد مزدهر أو جذب الاستثمارات أو إعادة إعمار المناطق المدمرة أو استعادة ثقة المجتمع الدولي بوجود سلاح خارج سلطة الدولة. كما لا يمكن لأي دولة حديثة أن تقوم على ازدواجية القرار الأمني والعسكري.

إن مستقبل لبنان يتطلب قرارات جريئة وحاسمة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الواحدة والقانون الواحد والسلاح الواحد. وإذا كانت كل الوسائل السياسية والدبلوماسية والقانونية قد استنفدت ولم تؤدِّ إلى إنهاء ظاهرة السلاح غير الشرعي، فإن واجب الدولة يبقى حماية شعبها وسيادتها ووحدة أراضيها بكل الوسائل التي يجيزها الدستور والقانون.

وفي النهاية، أثبتت السنوات الماضية أن لبنان دفع أثماناً باهظة بسبب ربط مصيره بمشاريع إقليمية لا تخدم مصالحه الوطنية. واليوم، يقف اللبنانيون أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استمرار واقع السلاح والحروب والانهيار، وإما بناء دولة قوية سيدة مستقلة تحتكر وحدها حق امتلاك السلاح واتخاذ قرار الحرب والسلم. ومن أجل مستقبل الأجيال القادمة، ومن أجل إنقاذ ما تبقى من لبنان، لا بد من وضع حد نهائي لهذه المرحلة والانتقال إلى دولة حقيقية يكون ولاؤوها للبنان اولاً وأخيراً.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa