01:01PM
كتب الدكتور قاسم السعد: باحث في حقوق الإنسان والطفل:
مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق مع إيران وتحديد التاسع عشر من حزيران موعداً للتوقيع الرسمي، تكون المنطقة قد دخلت عملياً مرحلة سياسية جديدة حتى قبل أن يجف حبر التوقيع. فالمسألة لم تعد تتعلق بوقف جولة من القتال أو بخفض مستوى التوتر في الإقليم، بل باحتمال ولادة معادلة جديدة قد تعيد رسم الشرق الأوسط الذي تشكل منذ الثورة الإيرانية عام 1979.
منذ أكثر من أربعة عقود، لم تكن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد خلاف بين دولتين. لقد كانت المحور الذي دارت حوله معظم صراعات المنطقة وتحالفاتها وتوازناتها. ومن العراق إلى سوريا، ومن اليمن إلى لبنان، نشأت قوى ومحاور ونفوذ إقليمي كامل على أساس هذا الاشتباك المستمر بين واشنطن وطهران.
ولهذا فإن أهمية اتفاق 19 حزيران لا تكمن في بنوده المعلنة فقط، بل في الرسالة السياسية التي يحملها. فالولايات المتحدة لا تتجه نحو التفاهم مع إيران لأنها أصبحت حليفاً لها، وإيران لا تجلس إلى طاولة الاتفاق لأنها تخلت عن مشروعها الإقليمي. ما حدث هو أن الطرفين وصلا، كل لأسبابه الخاصة، إلى قناعة بأن كلفة الصراع المفتوح أصبحت أعلى من كلفة إدارة التفاهم.
فالولايات المتحدة التي تواجه تحديات استراتيجية متصاعدة مع الصين وروسيا لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مركز الثقل في سياستها الخارجية كما كان الحال خلال العقود الماضية. أما إيران، التي نجحت في بناء شبكة نفوذ واسعة في المنطقة، فتواجه في المقابل ضغوطاً اقتصادية واجتماعية تجعل تثبيت المكتسبات أكثر أهمية من توسيع ساحات المواجهة.
من هنا، يبدو الاتفاق أقرب إلى إعادة تنظيم للصراع منه إلى إنهائه، وأقرب إلى إدارة جديدة للتوازنات منه إلى إعلان سلام تاريخي. لكنه رغم ذلك قد يمثل بداية نهاية مرحلة كاملة من إدارة المنطقة عبر الحروب بالوكالة والساحات المفتوحة.
وهنا تحديداً تبرز أهمية لبنان.
فلبنان لم يكن خلال العقود الماضية مجرد متأثر بالصراع الأميركي – الإيراني، بل كان أحد أبرز تجلياته. وكلما تصاعد التوتر بين الطرفين، انعكس ذلك مباشرة على الساحة اللبنانية. وكلما اقتربا من التهدئة، ظهرت انعكاسات ذلك على الواقع السياسي والأمني الداخلي.
ولهذا فإن ذكر لبنان ضمن المناخ السياسي المحيط بالاتفاق ليس تفصيلاً عابراً. فالقوى الدولية تدرك أن استقرار لبنان أصبح جزءاً من استقرار الإقليم، وأن أي تسوية طويلة الأمد بين واشنطن وطهران لا يمكن أن تتجاهل واحدة من أكثر الساحات ارتباطاً بهذا الصراع.
وإذا نجح الاتفاق في الصمود، فإن لبنان قد يكون من أكثر الدول تأثراً به. فالأولوية قد تنتقل تدريجياً من إدارة التوترات الأمنية إلى معالجة الأزمات الاقتصادية والمالية والمؤسساتية التي أنهكت الدولة والمجتمع. كما أن المجتمع الدولي قد يجد نفسه أمام فرصة جديدة لدعم الاستقرار اللبناني بعيداً عن هواجس الانفجار الإقليمي الدائم.
لكن السؤال الأكثر حساسية يبقى مرتبطاً بحزب الله.
فالحزب لم يكن مجرد قوة سياسية وعسكرية لبنانية، بل أحد أهم مكونات المنظومة الإقليمية التي بنتها إيران خلال العقود الماضية. وقد اكتسب جزءاً كبيراً من دوره وتأثيره من موقعه داخل معادلة الصراع الإقليمي.
غير أن التحولات الكبرى لا تبدأ بإلغاء القوى، بل بإعادة تعريف وظائفها.
فإذا كانت المرحلة السابقة قد احتاجت إلى حزب الله بوصفه جزءاً من منظومة الردع الإقليمية، فإن المرحلة المقبلة قد تدفعه تدريجياً نحو أدوار أكثر ارتباطاً بالداخل اللبناني. أي الانتقال من موقع القوة المتقدمة في مواجهة إقليمية واسعة إلى موقع الشريك الرئيسي في إدارة الاستقرار الداخلي والتوازنات الوطنية.
ولا يعني ذلك التخلي عن السلاح أو التحالفات أو الهوية السياسية، بل يعني أن مركز الثقل قد ينتقل من الإقليم إلى الداخل، ومن إدارة الصراع إلى إدارة الدولة، ومن أولويات الردع إلى أولويات الاقتصاد والتنمية وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات.
وقد يكون هذا أكبر تحول سياسي يواجه الحزب منذ تأسيسه.
لكن الطرف الذي يقرأ الاتفاق بقلق أكبر قد لا يكون لبنان ولا إيران، بل إسرائيل نفسها.
ففي العقل الإسرائيلي، لا تكمن أهمية اتفاق 19 حزيران في وقف القتال أو في تفاصيله التقنية، بل في ما يكشفه عن التحول في التفكير الأميركي. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية، بنت إسرائيل جزءاً كبيراً من استراتيجيتها الأمنية على فرضية أن الصراع بين واشنطن وطهران سيبقى مفتوحاً، وأن الولايات المتحدة ستظل شريكاً كاملاً في سياسة احتواء إيران ومواجهتها.
أما إذا كانت واشنطن قد قررت اليوم الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة التفاهم، فإن ذلك يطرح سؤالاً وجودياً داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية: هل ما زالت أولويات الولايات المتحدة هي نفسها أولويات إسرائيل؟
ومن هنا لا تنظر تل أبيب إلى الاتفاق باعتباره مجرد تفاهم دبلوماسي، بل باعتباره احتمالاً لتحول استراتيجي قد يعيد صياغة النظام الإقليمي بأكمله.
فإسرائيل لا تخشى البرنامج النووي الإيراني فقط، بل تخشى أن يؤدي الاتفاق إلى اعتراف أميركي ضمني بإيران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها أو إقصاؤها من ترتيبات المنطقة المستقبلية. كما تخشى أن يؤدي أي تفاهم طويل الأمد إلى تقليص أهمية التحالفات والسياسات التي بُنيت خلال السنوات الماضية على أساس الخوف المشترك من إيران.
والأهم من ذلك أن إسرائيل تدرك أن أي تفاهم أميركي – إيراني مستدام سيؤثر حكماً على الساحات التي شكّلت محور الصراع بينهما، وفي مقدمتها لبنان.
ولهذا فإن القلق الإسرائيلي لا يرتبط فقط بإيران، بل أيضاً بمستقبل حزب الله. ليس لأن الاتفاق سيؤدي إلى إنهائه أو إضعافه مباشرة، بل لأن أي تحول في طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران سيقود بالضرورة إلى إعادة تعريف دوره ووظيفته في المعادلة الإقليمية واللبنانية.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم جانب من القلق الذي يحيط بمستقبل بنيامين نتنياهو نفسه.
فالرجل بنى طوال أكثر من ثلاثة عقود جزءاً كبيراً من مشروعه السياسي على فكرة أن إيران تمثل التهديد الوجودي الأول لإسرائيل، وأن مواجهتها يجب أن تبقى أولوية مطلقة. وقد نجح في تحويل هذا الملف إلى محور رئيسي في السياسة الإسرائيلية وفي علاقاتها الدولية.
لكن إذا كانت الولايات المتحدة نفسها قد اختارت التفاهم مع إيران، فإن السؤال الذي سيطرح داخل إسرائيل لن يكون فقط: ماذا ربحت إيران؟ بل أيضاً: ماذا بقي من الرؤية السياسية التي حكمت إسرائيل طوال سنوات طويلة؟
لهذا فإن الخطر الحقيقي على نتنياهو لا يكمن في الاتفاق نفسه، بل في نجاحه. فإذا نجح الاتفاق واستمر، وإذا تراجعت احتمالات المواجهة الكبرى بين واشنطن وطهران، فإن جزءاً كبيراً من الخطاب الذي حكم السياسة الإسرائيلية خلال العقود الماضية سيفقد زخمه وقوته.
في النهاية، قد لا يكون اتفاق 19 حزيران مجرد اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، بل بداية تحول أوسع في طبيعة الشرق الأوسط نفسه.
فإذا كان القرن الماضي قد شهد صعود الساحات والحروب بالوكالة والمحاور المتصارعة، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد عودة الدولة بوصفها الفاعل الرئيسي، وتراجع منطق إدارة النفوذ عبر الأزمات الدائمة.
وعندها لن يكون السؤال من انتصر ومن خسر.
بل من استطاع أن يتكيف مع الشرق الأوسط الجديد قبل أن يفرض نفسه على الجميع.
شارك هذا الخبر
ترامب لنتنياهو: إلتزموا "جنوب الليطاني" حالياً.. والضوء الأخضر قادم
غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفرتبنيت
ترامب: بدأت السفن بالتحرك والعديد منها محملة بالنفط خارج مضيق هرمز
هزتان خفيفتان تضربان عكار وكسروان اليوم
سلام: نأمل أن ينجح اتفاق وقف النار في وقف القتل والدمار
سلام: سنضاعف الجهود من خلال المفاوضات الجارية في واشنطن لتأمين الانسحاب الاسرائيلي الكامل من أراضينا والإفراج عن أسرانا
سلام: نأمل أن ينجح الإعلان عن وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية في وضع حد لهذه الحرب ووقف القتل والتدمير والتهجير وسائر المآسي والآلام التي أُنزلت باللبنانيين
نواف سلام في مستهل جلسة مجلس الوزراء: منذ بدء الحرب التي فرضت على لبنان ما انفكت الحكومة اللبنانية تعمل من أجل وقفها ودفع المزيد من الأذى عن لبنان واللبنانيين
آخر الأخبار
أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني
إشتراك
Contact us on
[email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa