نتنياهو والاتفاق الأميركي–الإيراني: هل يصبح لبنان ثمن التسوية الكبرى؟

19/06/2026 08:23PM

كتب د. قاسم السعد:


مع اقتراب دخول الاتفاق الأميركي–الإيراني حيز التنفيذ، تنشغل الأوساط السياسية والإعلامية بقراءة بنوده المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والعقوبات والتوازنات الإقليمية الجديدة. غير أن التركيز على هذه الجوانب وحدها قد يحجب عن الأنظار سؤالاً لا يقل أهمية: كيف سينعكس هذا الاتفاق على الداخل الإسرائيلي، وما الذي قد يفعله بنيامين نتنياهو للتعامل مع تداعياته السياسية؟

ففي الظاهر يبدو الخلاف بين إسرائيل والاتفاق محصوراً بالمخاوف الأمنية التقليدية المرتبطة بإيران. لكن التمعن في المشهد الإسرائيلي يكشف أن القضية أعمق من ذلك بكثير. فالاتفاق لا يضع نتنياهو أمام تحدٍ استراتيجي يتعلق بإيران فحسب، بل أمام مأزق سياسي يمس جوهر السردية التي بنى عليها زعامته طوال العقدين الماضيين.

منذ سنوات طويلة، قدّم نتنياهو نفسه للإسرائيليين وللعالم بوصفه الرجل الذي يفهم الخطر الإيراني أكثر من غيره، والقادر وحده على منعه من التحول إلى تهديد وجودي لإسرائيل. لم تكن إيران بالنسبة إليه مجرد دولة منافسة أو خصم إقليمي، بل تحولت إلى الركيزة الأساسية في خطابه السياسي والأمني. ومن خلالها استطاع حشد التأييد الشعبي، وتبرير سياسات أمنية وعسكرية واسعة، وتقديم نفسه باعتباره القائد الضروري في زمن الأخطار الوجودية.

لهذا السبب، فإن أي اتفاق بين واشنطن وطهران لا يؤدي إلى تفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني، ولا ينتهي إلى إخراج إيران من معادلات النفوذ الإقليمي، يطرح أسئلة محرجة داخل إسرائيل. فإذا كانت سنوات التصعيد والعقوبات والعمليات العسكرية انتهت إلى تسوية سياسية، فما الذي تحقق فعلياً؟ وهل كانت النتيجة النهائية مختلفة عما كان يمكن الوصول إليه عبر التفاوض منذ البداية؟

هذه الأسئلة لا تهدد الرواية الأمنية الإسرائيلية فقط، بل تهدد بصورة مباشرة المكانة السياسية لنتنياهو نفسه. فالانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التسوية يعني عودة النقاش الداخلي حول حصيلة السنوات الماضية، وحول جدوى السياسات التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وحول مستقبل القيادة التي وعدت بتحقيق انتصار استراتيجي على إيران.

وفي أوقات الحروب والأزمات الوجودية تميل المجتمعات عادة إلى الالتفاف حول قياداتها. أما عندما تبدأ التسويات السياسية، فإن الأسئلة المؤجلة تعود إلى الواجهة. عندها يصبح الحديث عن المسؤوليات والإخفاقات والحسابات الانتخابية أمراً لا يمكن الهروب منه بسهولة. ولذلك فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه نتنياهو قد لا يكون الاتفاق نفسه، بل اليوم التالي للاتفاق.

يزداد هذا التحدي تعقيداً بسبب طبيعة الائتلاف الحاكم في إسرائيل. فالحكومة الحالية تستند إلى قوى يمينية وقومية ودينية تعتبر أن الصراع مع إيران جزء من معركة أوسع تتعلق بمستقبل المشروع الصهيوني وحدود الدولة العبرية وموقعها في المنطقة. وهذه القوى لا تنظر بعين الرضا إلى أي اتفاق يسمح لإيران بالحفاظ على جزء من قدراتها أو يكرّس دورها الإقليمي. ولذلك فإن نتنياهو لا يستطيع أن يظهر بمظهر المرحب بالاتفاق حتى لو كان يدرك أن قدرته على منعه محدودة.

لكن السؤال الأهم ليس لماذا يعارض نتنياهو الاتفاق، بل كيف سيتعايش معه إذا أصبح أمراً واقعاً.

التاريخ السياسي الإسرائيلي يشير إلى أن الحكومات اليمينية حين تجد نفسها مضطرة إلى قبول تسويات دولية لا تنسجم بالكامل مع رؤيتها، فإنها تسعى غالباً إلى تعويض ذلك عبر تحقيق مكاسب في ساحات أخرى. ومن هنا يبدأ الربط بين الاتفاق الأميركي–الإيراني وبين مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة.

فالضفة الغربية تمثل بالنسبة إلى اليمين الإسرائيلي الجائزة السياسية والأيديولوجية الأكبر. وهناك قوى نافذة داخل الحكومة الحالية ترى أن اللحظة الإقليمية الراهنة قد تشكل فرصة لتكريس وقائع جديدة على الأرض عبر توسيع الاستيطان أو فرض أشكال مختلفة من السيادة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة. ومن غير المستبعد أن يحاول نتنياهو تقديم خطوات إضافية في هذا الاتجاه لإقناع شركائه بأن الاتفاق مع إيران لم يأت على حساب المشروع الذي يحملونه.

أما قطاع غزة، فرغم الدعوات التي تصدر بين الحين والآخر لإعادة احتلاله أو إعادة الاستيطان فيه، فإن احتمالات ضمه رسمياً تبدو أكثر تعقيداً. فغزة ليست مجرد مساحة جغرافية، بل كتلة سكانية ضخمة تحتاج إلى إدارة وأمن وخدمات وإعادة إعمار. ولهذا تبدو المؤسسة الإسرائيلية أكثر ميلاً إلى البحث عن ترتيبات أمنية طويلة الأمد تضمن السيطرة الميدانية دون تحمل أعباء الضم المباشر.

غير أن المشكلة تبدأ عندما تصطدم هذه الطموحات بحدود الواقع الدولي. فالولايات المتحدة قد تكون مستعدة للتفاهم مع إسرائيل حول قضايا أمنية عديدة، لكنها تدرك أن أي خطوات واسعة نحو ضم الضفة الغربية قد تضعف التفاهمات الإقليمية الجديدة وتخلق أزمات مع حلفائها العرب. كما أن المجتمع الدولي لا يزال ينظر إلى الضم باعتباره خطوة شديدة الحساسية من الناحية القانونية والسياسية.

وهنا تحديداً يبرز لبنان بوصفه الحلقة الأكثر هشاشة في المعادلة.

فالجنوب اللبناني لا يمثل بالنسبة إلى إسرائيل مجرد جبهة أمنية، بل يشكل أيضاً مساحة يمكن استخدامها لإرسال رسائل إلى الداخل الإسرائيلي. وإذا شعر نتنياهو أن الاتفاق مع إيران يضعفه سياسياً، أو أنه عاجز عن تحقيق مكاسب في الضفة الغربية وغزة، فقد يصبح أكثر ميلاً إلى استخدام الساحة اللبنانية لإثبات أن إسرائيل ما زالت تحتفظ بحرية الحركة وأنه ما زال قادراً على فرض الوقائع بالقوة.

وفي هذه الحالة، لا يعود لبنان مجرد متلقٍ لتداعيات الاتفاق الأميركي–الإيراني، بل يتحول إلى أحد الميادين التي قد يُعاد من خلالها تشكيل التوازنات السياسية داخل إسرائيل نفسها. فكل عملية عسكرية، وكل تشدد في قواعد الاشتباك، وكل محاولة لفرض وقائع جديدة على الحدود يمكن أن تتحول إلى مادة سياسية يستخدمها نتنياهو لإقناع جمهوره بأنه لم يتراجع ولم يسمح للاتفاق بتقييد إسرائيل.

من هنا، فإن الخطر الذي يواجه لبنان لا يكمن فقط في مضمون الاتفاق، بل في الطريقة التي سيتعامل بها نتنياهو مع نتائجه. فالرجل الذي بنى جزءاً كبيراً من زعامته على مواجهة إيران يجد نفسه اليوم أمام واقع إقليمي جديد لا يملك القدرة على منعه بالكامل. وفي مثل هذه الظروف، لا تبحث القيادات السياسية عن تغيير الوقائع بقدر ما تبحث عن إعادة صياغة روايتها أمام جمهورها.

وإذا تعذر على نتنياهو تحقيق مكاسب في مواجهة إيران، فسيسعى إلى تعويض ذلك في ساحات أخرى. وقد تكون الضفة الغربية إحدى هذه الساحات عبر تسريع مشاريع الضم والتوسع الاستيطاني. وقد يكون قطاع غزة ساحة أخرى عبر فرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد تعزز صورة الردع الإسرائيلي. أما إذا تعثرت هذه الخيارات أو واجهت اعتراضات أميركية ودولية، فإن لبنان يبقى الساحة الأكثر هشاشة والأكثر عرضة لأن يتحول إلى ميدان لإعادة إنتاج القوة واستعادة التوازن السياسي الداخلي.

لهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى لبنان باعتباره مجرد متلقٍ لنتائج الاتفاق الأميركي–الإيراني، بل باعتباره أحد الميادين التي قد تتقرر فيها كيفية تعايش إسرائيل مع تلك النتائج. فالتاريخ القريب للمنطقة يبين أن كثيراً من الأزمات التي تبدأ تحت عناوين الأمن والاستراتيجية تنتهي في جوهرها صراعات على السلطة والبقاء السياسي. وربما يكون هذا هو المفتاح الحقيقي لفهم موقف نتنياهو من الاتفاق، وفهم ما قد ينتظر لبنان في المرحلة المقبلة.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa