حين يتعب العالم… كيف يواصل فلسطينيو لبنان الحياة؟

07:33PM

كتب الباحث في حقوق الانسان والطفل الدكتور قاسم  السعد 

في كل مرة تهب فيها أزمة عالمية جديدة، يتساءل كثيرون عمّن سيدفع الثمن. وفي الغالب يكون الجواب بعيداً عن عواصم القرار وقاعات المؤتمرات الدولية. هناك، في الأزقة الضيقة لمخيمات لبنان، يعيش الفلسطينيون منذ أكثر من سبعة عقود على هامش الأحداث الكبرى، لكنهم غالباً ما يكونون من أوائل المتأثرين بها.

اليوم لا تبدو أزمة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان حدثاً طارئاً يستدعي اهتمام الشاشات أو بيانات التضامن العاجلة. فالمخيمات التي اعتادت أن تكون عنواناً للمعاناة أصبحت بالنسبة إلى العالم خبراً قديماً. وما هو قديم في السياسة الدولية يفقد تدريجياً قدرته على جذب التمويل والاهتمام، حتى لو بقيت معاناة سكانه حاضرة ومتفاقمة.

تراجع تمويل الأونروا ليس مجرد أزمة مالية. إنه مؤشر على تحوّل أعمق في نظرة العالم إلى قضية اللجوء الفلسطيني نفسها. فالوكالة التي وُلدت بوصفها استجابة مؤقتة لنكبة عام 1948 تحولت مع مرور الزمن إلى شاهد حي على فشل المجتمع الدولي في إيجاد حل عادل لقضية عمرها أكثر من سبعين عاماً. وحين تتراجع مواردها اليوم، فإن الرسالة التي تصل إلى اللاجئ الفلسطيني تتجاوز الحسابات المالية: العالم يتعب من القضايا التي تطول، حتى لو لم تنتهِ أسبابها.

لكن المفارقة أن الفلسطينيين في لبنان لم يعتادوا انتظار العالم كثيراً. فمنذ النكبة وحتى اليوم، عاشوا سلسلة متواصلة من الانكسارات والحروب والتهجير والأزمات الاقتصادية. سقطت دول، وتبدلت أنظمة، واندلعت حروب أهلية وإقليمية، فيما بقيت المخيمات شاهدة على قدرة نادرة في البقاء. وكأن الفلسطيني تعلم مبكراً أن الحياة ليست ما تمنحه له الظروف، بل ما ينتزعه منها رغم قسوتها.

غير أن المرحلة الحالية تختلف عن سابقاتها. ففي الماضي كانت الأزمات تأتي منفردة؛ حرب تتبعها هدنة، أو حصار يعقبه انفراج، أو أزمة اقتصادية تنتهي بمرحلة تعافٍ. أما اليوم فتبدو الأزمات وكأنها تراكمت فوق بعضها البعض: انهيار اقتصادي لبناني، تضخم عالمي، تراجع في التمويل الإنساني، أزمات سياسية متلاحقة، وتراجع غير مسبوق في الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية.

هذه المرة لا يواجه اللاجئ الفلسطيني نقصاً في خدمة أو برنامج أو مشروع، بل يواجه سؤالاً أكثر قسوة: ماذا يحدث عندما تبدأ شبكات الأمان نفسها بالانهيار؟

في مخيمات لبنان، لم تعد المشكلة الأساسية في انخفاض المساعدات الغذائية أو تقليص بعض الخدمات الصحية، بل في تآكل الإحساس بالمستقبل. فالجيل الجديد الذي نشأ على وقع الأزمات المتلاحقة يرى أبواب الهجرة مغلقة، وفرص العمل محدودة، والتعليم يفقد تدريجياً قدرته على ضمان حياة أفضل. ومع ذلك، فإن هذا الجيل نفسه يحمل مفارقة أخرى؛ فهو الأكثر اتصالاً بالعالم والأكثر قدرة على تجاوزه في الوقت نفسه.

لقد تغيرت أدوات البقاء. فبعد أن كان التعليم وحده جواز العبور إلى المستقبل، أصبحت المعرفة الرقمية والعمل عن بعد وريادة الأعمال الصغيرة والمهارات التقنية تشكل مسارات جديدة للصمود. وربما يكون هذا أحد التحولات الكبرى التي لم تنتبه إليها كثير من المؤسسات الإنسانية بعد. فالمخيم الذي كان يُنظر إليه لعقود بوصفه مساحة انتظار، بدأ يتحول تدريجياً إلى مساحة بحث عن بدائل.

غير أن الخطأ الأكبر يكمن في الاعتقاد بأن قدرة الفلسطينيين على الصمود تعفي العالم من مسؤولياته. فالصمود ليس بديلاً عن العدالة، والاعتماد على الذات ليس بديلاً عن الحقوق. وما يستطيع اللاجئون فعله لتجاوز الأزمات لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لتراجع الالتزامات الدولية تجاههم.

ففي نهاية المطاف، لا تكمن مأساة فلسطينيي لبنان في الفقر وحده، ولا في نقص التمويل، ولا حتى في هشاشة الخدمات. المأساة الحقيقية أن جيلاً جديداً يولد اليوم داخل المخيمات فيما العالم يتعامل مع قضيته وكأنها ملف قديم مؤجل على رف السياسة الدولية.

ومع ذلك، فإن الفلسطيني الذي حمل مفتاح بيته أكثر من سبعين عاماً، لا يزال يعرف أن البقاء شكل من أشكال المقاومة. وأن الحياة، مهما ضاقت، لا تُقاس بحجم ما يقدمه العالم له، بل بقدرته على أن يبقى حاضراً رغم كل محاولات النسيان.

لعل أخطر ما يواجه فلسطينيي لبنان اليوم ليس الفقر، بل أن يصبحوا غير مرئيين. أما أعظم ما يملكونه، فهو أنهم ما زالوا يرفضون ذلك. فبين تعب العالم وإصرار اللاجئ، تستمر الحكاية. حكاية شعب لم يختر اللجوء، لكنه اختار ألا يستسلم له.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa