01:31PM
كتب الدكتور قاسم السعد : باحث في حقوق الإنسان والطفل
في أروقة المؤسسات التنموية والإنسانية، كثيراً ما يُطرح سؤال التمويل، وتُناقش استراتيجيات الاستدامة، وتُعقد الاجتماعات لتقييم المشاريع والبرامج. لكن نادراً ما يجرؤ أحد على طرح السؤال الأكثر إزعاجاً: ماذا لو بدأنا اليوم من جديد؟ هل كنا سنبني المؤسسة نفسها؟ وهل كنا سننفذ البرامج نفسها؟ وهل كنا سننفق الموارد بالطريقة ذاتها؟
هذا السؤال هو جوهر ما يُعرف بـالتفكير من نقطة الصفر، وهو ليس مجرد أداة إدارية، بل منهج في مراجعة الذات وكسر أسر العادة والتقاليد المؤسسية. فالمؤسسات، تماماً كالأفراد، قد تستمر في السير في طريق ما ليس لأنه الطريق الأفضل، بل لأنها أمضت سنوات طويلة فيه.
في عالم العمل مع الفقراء واللاجئين والنازحين والشباب، تكتسب هذه الفكرة أهمية استثنائية. فالواقع الذي نشأت فيه معظم المؤسسات المحلية قبل عشرين أو حتى عشر سنوات لم يعد قائماً اليوم. المجتمعات تغيرت، والاحتياجات تبدلت، وأنماط الفقر تحولت، والتمويل الدولي نفسه دخل مرحلة مختلفة. ومع ذلك، لا تزال بعض المؤسسات تعمل وفق افتراضات تعود إلى زمن آخر.
لقد تأسست عشرات البرامج التنموية على فرضية أن المشكلة الأساسية هي نقص الخدمات. لكن هل ما زالت هذه هي المشكلة اليوم؟ أم أن المشكلة أصبحت في غياب الفرص؟ أو في ضعف القدرة على الوصول إلى الأسواق؟ أو في التهميش السياسي والاجتماعي؟ أو في فقدان الأمل لدى الشباب؟
حين نفكر من نقطة الصفر، نتوقف عن السؤال: كيف نحافظ على برامجنا؟ونبدأ بالسؤال: ما الذي يحتاجه الناس فعلاً الآن؟
هناك فرق كبير بين السؤالين. الأول يجعل المؤسسة تدافع عن وجودها. أما الثاني فيجعلها تدافع عن رسالتها.
في كثير من الأحيان تتحول المشاريع الناجحة إلى عبء على المؤسسات. فنجاحها السابق يمنحها حصانة غير معلنة ضد النقد والمراجعة. يصبح من الصعب إيقافها أو تعديلها لأن الجميع اعتاد عليها. لكن التفكير من نقطة الصفر لا يعترف بالماضي كحجة كافية للاستمرار. فهو يسأل ببساطة: لو لم يكن هذا المشروع موجوداً اليوم، هل كنا سننشئه من جديد؟
السؤال نفسه يمكن أن يوجَّه إلى الهياكل الإدارية. كم من الإجراءات وُضعت لحل مشكلة طارئة ثم تحولت إلى قاعدة دائمة؟ وكم من النماذج والتقارير واللجان والاجتماعات تستنزف وقت الموظفين دون أن تضيف قيمة حقيقية للمجتمعات التي تخدمها المؤسسة؟
في كثير من المؤسسات أصبح العاملون يقضون وقتاً أطول في إدارة النظام من إدارة التغيير. وهنا تكمن إحدى أكبر المفارقات في القطاع التنموي: المؤسسات التي أُنشئت لمواجهة التعقيد الاجتماعي أصبحت أحياناً ضحية لتعقيدها الداخلي.
أما في العمل مع الشباب، فإن التفكير من نقطة الصفر يقود إلى مراجعات أكثر عمقاً. فهل ما زلنا نتعامل مع الشباب كمستفيدين من الأنشطة أم كشركاء في صناعة الحلول؟ وهل ما نقدمه لهم يعكس طموحاتهم الحقيقية أم يعكس تصوراتنا نحن عن احتياجاتهم؟ ولو بدأنا اليوم، هل كنا سنصمم البرامج بالطريقة نفسها أم كنا سنمنح الشباب مساحة أكبر للقيادة واتخاذ القرار؟
الأمر ذاته ينطبق على العمل مع اللاجئين والنازحين. فبعد سنوات طويلة من الأزمات، لم يعد كثير من الناس يبحثون فقط عن المساعدة، بل عن القدرة على استعادة السيطرة على حياتهم. وبينما تستمر بعض البرامج في تقديم الحلول نفسها، تتغير الأسئلة التي يطرحها الناس على أنفسهم: كيف أجد عملاً؟ كيف أؤمن مستقبلاً لأطفالي؟ كيف أبني حياة مستقرة؟ كيف أشارك في اتخاذ القرارات التي تؤثر في مجتمعي؟
التفكير من نقطة الصفر لا يعني هدم المؤسسات أو إنكار إنجازاتها. بل يعني التحرر من وهم أن ما نجح بالأمس سيبقى ناجحاً غداً. فالعالم يتغير بسرعة أكبر من أي وقت مضى، والمؤسسات التي تربط مستقبلها بماضيها فقط تصبح أكثر عرضة للجمود والتراجع.
وفي زمن تتقلص فيه الموارد وتزداد الاحتياجات، قد لا يكون السؤال الأهم هو كيف نحصل على تمويل إضافي، بل كيف نعيد اكتشاف أنفسنا. فالمؤسسات التي ستنجح في المستقبل ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الميزانيات، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لتسأل نفسها باستمرار: لو بدأنا اليوم من جديد، ماذا كنا سنفعل بشكل مختلف؟
هذا السؤال ليس تهديداً للمؤسسات، بل فرصة لها. لأنه يعيدها إلى أصل الحكاية: الناس. وعندما تصبح احتياجات الناس هي نقطة البداية، لا تاريخ المؤسسة ولا عاداتها ولا مشاريعها القديمة، عندها فقط يتحول التفكير من نقطة الصفر إلى أداة للتجدد، لا مجرد نظرية إدارية.
فربما تكون أكبر خدمة يمكن أن تقدمها مؤسسة تنموية لنفسها وللمجتمعات التي تعمل معها هي أن تجرؤ، ولو مرة واحدة، على نسيان كل ما تعرفه، وأن تبدأ التفكير من جديد. من نقطة الصفر.
شارك هذا الخبر
روبيو: سنتعامل مباشرة مع الحكومة اللبنانية وملف لبنان منفصل تماماً عن إيران
بري لماكرون: إتفاق تشرين 2024 فرصة جاهزة لتثبيت وقف إطلاق النار
الرئيس الإيراني: لا نثق بأميركا لأنها هاجمتنا مرتين خلال التفاوض لكننا ما زلنا مستعدين للحوار والسلام
الرئيس الإيراني: لن نتفاوض على قدراتنا الدفاعية
الرئيس الإيراني: صواريخنا لم تكن ضمن مذكرة التفاهم ولن تكون أبدا
بري: اتفاق تشرين الثاني 2024 يشكل فرصة جاهزة لتثبيت وقف إطلاق النار إذا اعتُمد في مفاوضات سويسرا
قاسم: لا خيار أمام إسرائيل إلا الانسحاب الكامل من لبنان وانتشار الجيش
مجلس الوزراء يجتمع الخميس المقبل في القصر الجمهوري والامتحانات الرسمية أبرز الملفات
آخر الأخبار
أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني
إشتراك
Contact us on
[email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa