الشرق الأوسط… من الحرب إلى إدارة الصراع..هل نحن أمام سلام مؤجل أم أمام حرب مؤجلة؟

07:46PM

كتب: د. قاسم السعد

باحث في حقوق الإنسان والطفل

في الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب عندما يتوقف إطلاق النار، بل عندما تتغير الأسباب التي أشعلتها. وحتى الآن، لا يبدو أن أياً من تلك الأسباب قد تغير بصورة جوهرية.

فالمنطقة لا تعيش نهاية حرب، بل نهاية مرحلة وبداية أخرى. مرحلة عنوانها إدارة الصراع، لا حله، وإعادة توزيع أدوات النفوذ، لا التخلي عنها.

خلال الأشهر الماضية، ساد اعتقاد بأن سلسلة التفاهمات الإقليمية ستقود تلقائياً إلى تسوية أوسع تشمل لبنان، وتخفف التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتفتح الباب أمام إعادة رسم التوازنات الأمنية في المنطقة. لكن ما حدث على الأرض يوحي بأن ما جرى لم يكن تسوية شاملة، بل إعادة ترتيب للأولويات.

فالولايات المتحدة تبدو معنية اليوم بمنع انفجار إقليمي واسع، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة لتقديم أثمان استراتيجية تمس أمن إسرائيل أو مكانتها العسكرية. لذلك، يجري التعامل مع كل ساحة على حدة، لا باعتبارها جزءاً من صفقة واحدة.

هذا التحول يحمل دلالات مهمة بالنسبة للبنان.

فالرهان على أن أي تفاهم أميركي–إيراني سيقود تلقائياً إلى انسحاب إسرائيلي أو إلى تسوية نهائية في الجنوب يبدو أقل واقعية مما كان عليه في السابق. فلبنان أصبح جزءاً من ملف أمني مستقل، بينما انتقلت الأولوية الأميركية تدريجياً إلى ملفات تعتبرها أكثر تأثيراً في الأمن العالمي، وفي مقدمتها أمن الملاحة والطاقة في الخليج.

وهنا يكمن الفارق الجوهري بين لبنان ومضيق هرمز.

لبنان يشكل أهمية سياسية وأمنية لإسرائيل، أما هرمز فيمثل شرياناً للاقتصاد العالمي. ولذلك فإن أي تهديد لحركة الملاحة فيه يغيّر حسابات القوى الكبرى بصورة مباشرة، ويمنح إيران ورقة تفاوض مختلفة تماماً عن الأوراق اللبنانية.

لكن امتلاك الورقة لا يعني بالضرورة استخدامها.

فإغلاق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه ليس قراراً عسكرياً فحسب، بل قرار يحمل كلفة اقتصادية وسياسية هائلة على الجميع، بما في ذلك إيران نفسها. ولهذا، فإن قيمة المضيق تكمن غالباً في التلويح به أكثر من استخدامه، إلا إذا وصلت الأزمة إلى نقطة يشعر فيها أحد الأطراف بأنه لم يعد يملك ما يخسره.

أما إسرائيل، فتبدو معنية بتثبيت واقع أمني جديد يمنع عودة التهديدات على حدودها الشمالية، ويمنحها هامشاً أوسع للتحرك إذا رأت أن الترتيبات القائمة لا تحقق أهدافها. ومن هنا، فإن استمرار الضغوط العسكرية والسياسية على لبنان يبقى احتمالاً قائماً، حتى في غياب حرب شاملة.

في المقابل، تبدو إيران أمام معادلة دقيقة. فهي لا ترغب في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع أيضاً الظهور بموقع المتراجع عن نفوذها الإقليمي. لذلك قد تلجأ إلى إدارة الصراع بأدوات ضغط متعددة، مع الحرص على ألا تتجاوز الخط الذي يدفع الجميع إلى مواجهة مفتوحة.

وهذا ما يجعل المرحلة المقبلة شديدة الحساسية.

فالمنطقة قد لا تشهد حرباً إقليمية واسعة، لكنها أيضاً لم تدخل مرحلة سلام مستدام. بل إنها تعيش ما يمكن تسميته “السلام المسلح”؛ حيث تستمر المفاوضات بالتوازي مع الضغوط العسكرية، ويستمر الردع بالتوازي مع الرسائل السياسية، فيما يحتفظ كل طرف بأوراقه استعداداً للجولة التالية.

ويبقى لبنان الحلقة الأكثر هشاشة.

فإذا تعثرت التفاهمات الإقليمية، قد يتحول الضغط الخارجي تدريجياً إلى ضغط داخلي، سواء عبر تعميق الانقسام السياسي، أو زيادة الضغوط الاقتصادية، أو محاولة فرض وقائع أمنية جديدة تجعل الدولة اللبنانية أمام خيارات صعبة. وهذه المخاطر لا تعني بالضرورة اندلاع اقتتال داخلي، لكنها تعني أن الاستقرار سيبقى هشاً إذا لم يقترن أي مسار أمني بحل سياسي يحظى بقبول داخلي واسع.

السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: هل انتهت الحرب؟

بل: من يملك القدرة على فرض شكل السلام القادم؟

فالسلام في الشرق الأوسط لا تصنعه الرغبات، بل موازين القوى. وما دامت هذه الموازين ما زالت في طور إعادة التشكل، فإن المنطقة ستبقى تتحرك بين هدنة قابلة للاهتزاز، وتصعيد قابل للاحتواء، وتسويات مؤجلة بانتظار لحظة يقتنع فيها الجميع بأن كلفة استمرار الصراع أصبحت أعلى من كلفة إنهائه.

وربما تكون هذه هي الحقيقة الأكثر وضوحاً في المشهد كله: لسنا أمام شرق أوسط جديد بعد، بل أمام مخاض شرق أوسط جديد، لم تُحسم ملامحه، ولا تزال خرائطه السياسية والأمنية قيد التفاوض.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa