03/07/2026 04:19PM
كتب الباحث والكاتب السياسي طارق أبو زينب:
في بلدٍ تتهاوى فيه مؤسسات الدولة تحت ثقل الانهيار الاقتصادي والسياسي، لا يعود السؤال عن “من يساعد لبنان” سؤالًا تقليديًا، بل يتحول إلى سؤال عن من يملأ الفراغ الذي تتركه الدولة نفسها. في هذا المشهد شديد التشظي، يبرز اسم رجل الأعمال الإماراتي خلف أحمد الحبتور كفاعل يتجاوز منطق المساعدة الظرفية إلى منطق التدخل البنيوي طويل الأمد، حيث لا تُدار الأزمة كحادثة إنسانية عابرة، بل كمنظومة انهيار تتطلب إعادة بناء متدرّجة تبدأ من الإنسان ولا تنتهي عند الحجر.
من مستشفى في أقصى الشمال إلى أحياء بيروت المنكوبة، ومن الغذاء إلى الصحة إلى السكن، تتشكل ملامح حضور لا يكتفي بالإغاثة، بل يقترب من فكرة “الدولة البديلة” في لحظات الفراغ القاتل .
القطاع الصحي…نقطة ارتكاز في جغرافيا مهمشة
لم يكن الانهيار الصحي في لبنان نتيجة أزمة عابرة، بل نتيجة تراكمات أوصلت المستشفيات إلى حافة العجز الكامل، بين هجرة الكفاءات وانهيار التمويل وغياب القدرة التشغيلية. هنا، لم يكن التدخل مجرد دعم، بل محاولة لإعادة تأسيس وظيفة الصحة نفسها .
في عام 2016، وُلد “مستشفى خلف الحبتور” في بلدة حرار بعكار باستثمار بلغ 100 مليون درهم إماراتي، ليصبح أكثر من مجرد مؤسسة طبية، بل مركز ثقل صحي يخدم أكثر من 22 قرية في جرد القيطع، حيث كانت الخدمات الطبية شبه غائبة .
المستشفى جاء كمنظومة متكاملة لا كهيكل إسمنتي، يضم أقسام تفتيت الحصى بتقنيات غير جراحية متقدمة، ووحدات عناية مركزة عالية التجهيز، وأقسام توليد وأطفال، وعيادات اختصاصية دقيقة، إلى جانب الطب الباطني والجراحة والمختبرات والأشعة، مع قدرة تشغيلية استثنائية تم الحفاظ عليها حتى في ذروة أزمة الطاقة عبر تأمين الفيول .
وتحت إشراف دار الفتوى، مع دعم تشغيلي مستمر، تحوّل هذا الصرح إلى نموذج عملي لفكرة أن الرعاية الصحية يمكن أن تستمر حتى عندما تتراجع الدولة .
انفجار المرفأ… لحظة انهيار كامل واختبار للفراغ
في 4 أغسطس 2020، لم يكن انفجار مرفأ بيروت مجرد كارثة، بل لحظة انهيار جماعي للمنظومة الصحية في العاصمة. مستشفيات مدمّرة، غرف عمليات خارج الخدمة، وقدرة طبية على حافة الانطفاء .
في تلك اللحظة، جاء التدخل السريع ليشمل 11 مستشفى رئيسي، عبر تزويدها بمعدات طبية وأجهزة طوارئ ومستلزمات إنقاذ حياة أعادت تشغيل وحدات العناية وغرف العمليات في وقت كانت فيه المنظومة على وشك التوقف الكامل.
وشمل الدعم مستشفيات رفيق الحريري الجامعي، المقاصد، أوتيل ديو، رزق،قلب يسوع وسان شارل، الوردية والمشرق، هارون والمعونات، في محاولة لاحتواء الانهيار ومنع تحوّل الكارثة إلى شلل صحي شامل.
إعادة إعمار بيروت… معركة منع تفكك المدينة
لم يكن الدمار الذي ضرب بيروت مجرد خسائر مادية، بل كان تهديدًا مباشرًا لبنية المدينة الاجتماعية نفسها. من هنا، جاءت مبادرات ترميم المنازل كخط دفاع ضد تفكك عمراني واجتماعي واسع .
انطلقت عملية ترميم شملت 160 منزلًا في الأشرفية والجميزة والرميل، قبل أن تتوسع لتتجاوز 300 منزل ومحل تجاري، في تدخل لم يهدف فقط إلى إعادة البناء، بل إلى منع تهجير صامت كان يتسلل إلى قلب العاصمة بعد الانفجار .
الأمن الغذائي… مواجهة الانهيار من بوابة البقاء
مع الانهيار الاقتصادي الحاد، لم يعد الفقر حالة اجتماعية بل تحول إلى تهديد مباشر للبقاء. هنا برزت القوافل الإنسانية كخط إمداد موازٍ لحياة تتآكل بسرعة .
منذ 2013، امتدت المساعدات إلى أكثر من 100 قرية لبنانية، وتكثفت في 2019 مع توزيع أكثر من 11,000 حصة غذائية وبطانية في حملة واحدة استفاد منها أكثر من 100,000 شخص .
لاحقًا، تجاوز حجم الدعم 50,000 طرد غذائي وبطانيات، إضافة إلى دعم الجيش وقوى الأمن خلال الأزمة المالية، بقيمة إجمالية تخطت 100 مليون درهم إماراتي، ما جعل هذه العمليات واحدة من أوسع شبكات الإغاثة غير الحكومية في البلاد .
في عام 2019، لم يعد التدخل الإغاثي كافيًا، فطُرحت فكرة الانتقال إلى مؤسسة. هكذا وُلد “الصندوق اللبناني لغد أفضل”، كمحاولة لتحويل العمل الإنساني من مبادرات فردية إلى بنية تمويل وطنية .
ارتكز الصندوق على ثلاث ركائز: الطبابة، الغذاء، والسكن، مع تعهد تأسيسي بقيمة 10 ملايين دولار، ودعوة مباشرة لرجال الأعمال اللبنانيين للمشاركة في بناء إطار شفاف قائم على الحوكمة، في محاولة لخلق نموذج يتجاوز ردّ الفعل إلى الفعل المؤسسي .
اللاجئون… الامتداد الأوسع للأزمة الإنسانية
لم يتوقف نطاق التدخل عند اللبنانيين، بل امتد إلى اللاجئين السوريين والفلسطينيين في لبنان، عبر قوافل إغاثية في الشمال والبقاع، ومساعدات غذائية وطبية للمخيمات، بالتعاون مع جهات فلسطينية رسمية ومؤسسات دولية، إضافة إلى دعم برامج الأونروا ومبادرات إغاثية في غزة وسوريا، في إطار رؤية إنسانية عابرة للحدود.
أثر فردي يكشف حجم المنظومة
ضمن هذا المشهد، برزت قصة السيدة “أم فادي” من صيدا، حيث تم نقلها مع نجلها إلى مستشفى الحبتور في عكار لتلقي العلاج والرعاية النفسية، إلى جانب ترميم منزلها بالكامل، في مثال مباشر على كيف تتحول التدخلات الكبرى إلى إنقاذ حياة فردية ملموسة .
ما تكشفه تجربة خلف أحمد الحبتور في لبنان ليس مجرد سجل من المبادرات الإنسانية، بل شبكة تدخلات تعمل في المساحات التي انسحبت منها الدولة أو تراجعت قدرتها. من المستشفى إلى المرفأ، ومن الغذاء إلى السكن، تتبلور صورة نموذج لا يقدّم حلولًا ظرفية، بل يعيد تعريف وظيفة الدعم ذاته في بيئة منهارة .
لكن خلف هذا المشهد، يبقى السؤال الأعمق حاضرًا بقوة: إلى أي مدى يمكن أن تستمر المبادرات الفردية في لعب دور الدولة، دون أن تتحول إلى بديل دائم عن المؤسسات؟
فبينما تُرمم البيوت وتُنعش المستشفيات وتُمد القوافل الغذائية، يبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذا الجهد إلى نظام لا يرتبط بالأشخاص، بل ببنية مستدامة قادرة على الصمود حين يغيب الجميع .
شارك هذا الخبر
الولايات المتحدة تقلّص وجودها العسكري في نيجيريا
ماذا جاء في مقدمات نشرات الأخبار؟
بالصور: وزير الدفاع يشارك في مراسم التأبين الرسمية في طهران
جورج شاهين يكشف المستور: غطاء دولي لاتفاق الإطار… وقرار سلاح الحزب في طهران!
البابا لاوون يدعو الولايات المتحدة إلى الاعتدال
جنازة خامنئي: إجراءات أمنية مشددة وغياب لافت لمجتبى
هل وقّع لبنان على وصاية سورية جديدة؟ الفرد ماضي يفجرها: ما هدف اللجنة العليا اللبنانية السورية؟
وزيرة السياحة: الحكومة تعمل لتحقيق الاستقرار من خلال فرض سيادة الدولة كاملة
آخر الأخبار
أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني
إشتراك
Contact us on
[email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa