02:35PM
عندما تجاوز عدد حالات الحصبة وشدّتها قدرة مستشفى برعو الإقليمي على الاستجابة منفردًا، عادت أطباء بلا حدود إلى أرض الصومال للمرة الأولى منذ يونيو/حزيران 2023. فمنذ مطلع عام 2026، تسارعت وتيرة انتشار الحصبة في برعو ومنطقة توغدير شرق أرض الصومال. وبحلول منتصف يونيو/حزيران، رصدت وزارة الصحة أكثر من 1,600 مصاب وثمانية وفيات، استأثرت توغدير وحدها بأكثر من 1,400 إصابة وست وفيات منها. غير أنّ الأرقام الفعلية أعلى من ذلك على الأرجح، إذ لا يرفع سوى 150 من أصل 325 مرفقًا صحيًا عامًا تقاريره مركزيًا في أرض الصومال، فيما لا تُحصى كثير من الحالات المسجّلة في المجتمعات والعيادات الخاصة.
وفي هذا الصدد، يقول منسّق مشروع أطباء بلا حدود في أرض الصومال، د. فؤاد ضاهر، "تجاوز عدد المصابين قدرة وزارة الصحة على الاستجابة، ولم تكن هناك أي جهات أخرى قادرة على التعامل مع الوضع".
فمنذ 15 مايو/أيار، عالجت أطباء بلا حدود أكثر من 350 مريضًا، أُدخل 316 منهم إلى مستشفى برعو الإقليمي، فيما استقبلت مراكز الرعاية الصحية الأولية أكثر من 30 شخصًا. وبالتعاون مع كوادر وزارة الصحة، تقدّم فرق أطباء بلا حدود رعاية مجانية، وتعالج الحالات الشديدة، وتعزّز إجراءات الوقاية من العدوى ومكافحتها، كما تدعم خدمات التغذية، وتعمل على تعزيز ترصّد الأمراض، وتدرّب العاملين الصحيين المحليين، بما في ذلك العاملون في مستشفى شيخ المجاور.
تعود أسباب انتشار الحصبة هنا إلى عوامل بنيوية. فوفقًا لبيانات وزارة الصحة، لا تتجاوز تغطية اللقاحات الروتينية في منطقة توغدير نسبة 40 في المئة في أفضل التقديرات. كما يكشف هذا التفشي عن فجوة كبيرة في التطعيم تتجاوز مرحلة الطفولة المبكرة، إذ إن 65 في المئة من الحالات التي عالجتها أطباء بلا حدود هي لمرضى في الخامسة من العمر وما فوق. ويشير ذلك إلى أن التغطية باللقاحات ظلت غير كافية على مدى سنوات في مختلف الفئات العمرية، ما ترك الأطفال الأكبر سنًا والبالغين عرضة للإصابة بالقدر نفسه.
ونادرًا ما تصل حملات التحصين والتطعيم إلى كثير من المجتمعات الرعوية والنائية. هذا وتحمل بعض العائلات تصورات خاطئة عن اللقاح أو تلجأ إلى العلاجات التقليدية. كما أن ترصّد المرض لا يزال ضعيفًا، والمسافات إلى مرافق الرعاية طويلة، فيما تشكّل التكاليف عائقًا يمنع العائلات من طلب الرعاية. وفي ظل نظام صحي مُنهك أساسًا، تتيح هذه الثغرات مجتمعةً لمرض شديد العدوى أن ينتشر بسرعة ويُبقيه بعيدًا عن الرصد.
وصلت أوباه فرحان إلى مستشفى برعو الإقليمي وهي تحمل طفلها في سيارة أجرة. كان يعاني من طفح جلدي وجفاف في الفم والحلق، وحمّى لا تنخفض. دفعت أجرة السيارة بنفسها. لكنها لم تضطر إلى دفع كلفة العلاج هذه المرة، علمًا أنها كانت تشعر بقلق بالغ من هذه الرسوم. لم يتلقَّ طفلها أي لقاح من قبل. وحين سألت عن الأمر، قيل لها إنّ عمره لم يكن يسمح بذلك بعد. ورغم وجود مركز صحي وصيدلية بالقرب من منزلها في قرية أكتوبر، وصل المرض إلى طفلها قبل وصول اللقاح.
أما سميرة عبدي حسن، فقد سافرت من نقذبيجو، وهي قرية ريفية في توغدير، برفقة اثنين وعشرين فردًا من عائلتها، لم يكن أيٌّ منهم قد تلقّى اللقاح. كانت تعرف أن اللقاح موجود، فعلى حد قولها، "نعم، نعرف بوجوده، لكنه لم يصل إلينا".
أما ديقو عبدي حسن، فجاءت من القرية نفسها التي تسكنها أوباه. لم يتلقَّ طفلها اللقاح، ولم يُقدَّم لها أي جلسة توعوية حول الحصبة. هذان منزلان في قرية واحدة، وطفلان بلغا من المرض حدًّا استدعى إدخالهما إلى المستشفى.
وعندما تصل العائلات إلى وحدة العزل، يكون المرض غالبًا قد بلغ مرحلة متقدمة. فبحسب مدير الأنشطة الطبية مع أطباء بلا حدود في مستشفى برعو الإقليمي، د. عيسى جاما، "يصل المرضى وهم في وضع صحي خطير، بينهم أطفال يعانون من التهاب رئوي حاد وجفاف ومضاعفات أخرى". وعند وصول أطباء بلا حدود، كانت القدرة الاستيعابية للعزل وإجراءات الوقاية من العدوى ومكافحتها محدودة، لكن جرى تعزيزها منذ ذلك الحين، كما توسّع جناح العزل.
لطالما شكّلت الكلفة عائقًا يحول دون طلب العائلات للرعاية أو يؤخّرهم عن التماسها. فقبل بدء استجابة أطباء بلا حدود، كانت العائلات تُطالَب بدفع نحو 30 دولارًا أمريكيًا مقابل الأدوية ودخول المستشفى. وكان من المفترض للإعفاء من الرسوم أن يحمي العائلات غير القادرة على الدفع، لكن عمليًا ظلّت عائلات كثيرة تخشى الكلفة، فتأخرت في طلب الرعاية أو لم تطلبها في الأصل. ويقول د. عيسى جاما، "عندما تكون الرعاية مجانية، تُحضر العائلات أطفالها في وقت أبكر. وفي حالات الحصبة، يحظى الوقت بأهمية حاسمة".
تساعد حملات التلقيح التي تُنفَّذ استجابةً للتفشي في احتواء الوضع، لكنها لا يمكن أن تحلّ محل نظام تطعيم روتيني. وفي هذا الصدد، يقول د. فؤاد ضاهر، "كلما اتسعت التغطية لتصل إلى المدن والمجتمعات الرعوية والمناطق الريفية، قلّ احتمال تكرار تفشيات كهذه".
وفي هذا السياق، تدعو أطباء بلا حدود السلطات الصحية وشركاءها، بما في ذلك وكالات الأمم المتحدة والجهات المانحة، إلى توسيع نطاق التطعيم الروتيني، وتعزيز ترصّد الأمراض، والاستثمار في الجاهزية السريرية في أرض الصومال.
علاوة على ذلك، يشهد التمويل تدهورًا سريعًا. فبحسب بيانات تتبّع التمويل التابعة للأمم المتحدة، كان تمويل خطة الاستجابة الإنسانية للصومال، التي تشمل أرض الصومال، قد بلغ 57 في المئة في عام 2024، ثم تراجع إلى 29 في المئة في عام 2025. وبحلول أواخر مايو/أيار 2026، لم تتجاوز نسبة التمويل الإجمالية 18 في المئة ولم يتجاوز تمويل قطاع الصحة 11 في المئة. أما بالنسبة إلى النظام الصحي الذي بلغ أقصى طاقته، فإن كل خفض في التمويل يقلّص القدرة على الوقاية من التفشيات ورصدها مبكرًا وعلاجها في الوقت المناسب.
يتعافى طفل أوباه الآن، ولا يزال في جناح المستشفى. كان العلاج مجانيًا، لكن الظروف التي عرّضته للخطر في الأصل لم تتغيّر.
شارك هذا الخبر
ترامب: سنضرب إيران بشكل قوي للغاية
ترامب يؤكد: سنسيطر على مضيق هرمز
ترامب: سنتقاضى رسوما مقابل حراسة مضيق هرمز
دريان يغادر إلى الدوحة لتقديم واجب العزاء
ترامب بشأن إيران والنفط: سنسيطر على مضيق هرمز
سلام يعزّي أمير قطر بوفاة الأمير الوالد
طرابلسي: وزيرة التربية لم تحضر الاجتماع ولن نسمح بظلم الطلاب
هيئة بحرية بريطانية: ناقلة تبلغ عن اقتراب 6 قوارب صغيرة منها من الجانب الأيمن
آخر الأخبار
أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني
إشتراك
Contact us on
[email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa