عون من واشنطن: نزع سلاح الحزب يصبح ممكنًا عند توافر متطلباته الفعلية

08:21AM

أقامت السفيرة حمادة معوض حفل عشاءٍ تكريمًا لرئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون والوفد المرافق له، بحضور عددٍ من أعضاء الكونغرس والمسؤولين في الإدارة الأميركية.


وأكد الرئيس عون، خلال الحفل، أن لبنان لا يمكن أن يكون آمنًا وموحدًا إلا في ظل دولةٍ واحدةٍ وجيشٍ واحدٍ يحمي جميع اللبنانيين من دون تمييز، مشددًا على أن النموذج اللبناني يستحق الحماية، ليس من أجل لبنان وحده، بل من أجل المنطقة أيضًا، لكونه قائمًا على المبادئ نفسها التي بُنيت عليها الولايات المتحدة.


وأشار إلى أن نزع سلاح حزب الله يصبح ممكنًا عند توافر متطلباته الفعلية، وفي مقدمتها إزالة الاحتلال، وتولي الجيش اللبناني السيطرة الكاملة، وإطلاق برنامج إعادة إعمارٍ تديره الدولة وحدها.


من جهتها، رحبت السفيرة معوض بالرئيس عون، مؤكدةً أن زيارته تعكس الالتزام بتعزيز العلاقات التاريخية بين لبنان والولايات المتحدة، والعمل على تحقيق تطلعات الشعب اللبناني إلى السيادة ووحدة الأراضي والأمن والازدهار والسلام.


وفيما يلي نص الكلمة كاملًا: 

" يسعدني حقاً أن ينضم إلينا الليلة هذا العدد الكبير من أصدقاء لبنان. لقد تطلعت إلى هذهالزيارة منذ وقت طويل، ليس فقط لأنها زيارتي الأولى بصفتي رئيساً للجمهورية، بل لما تمثله: أول زيارة رسمية لرئيس لبناني إلى واشنطن منذ سبعة عشر عاماً. إن الصداقة بين بلدينامتجذرة بعمق في التاريخ، فقبل أن يصبح لبنان دولة حديثة بزمن طويل، كان الأميركيونموجودين هناك بالفعل. أسّس المبشرون الأميركيون الجامعة الأميركية في بيروت عام 1866،وبعد حين كان للجامعة اللبنانية الاميركية دور تربوي مميز، وعلّموا أجيالاً من اللبنانيين،وبصراحة، أجيالًا من قادة المنطقة، في تقليد من التعلّم والحرية لا يزال يحددنا. اليوم، يعود نحو ستمئة ألف أميركي إلى لبنان لتتبع جذورهم، وقد برزوا في مجالات الأعمال والطبوالأكاديميا والخدمة العامة والحكومة، بما في ذلك الكونغرس الحالي والإدارة الحالية.

كما تتجلى هذه الصداقة في ما بَنته أميركا ودافعت عنه في لبنان: مليارات الدولاراتالمستثمرة في الجيش اللبناني، وعقود من الدعم لمؤسساتنا، وأحد أكبر المجمعات الدبلوماسيةالأميركية في العالم. لكن ما يربطنا يتجاوز التاريخ وحده ، إنه أمر يتعلق بحقيقة ما هو عليه لبنان بالفعل.

من الأبجدية الفينيقية التي أعطت البشرية أول نظام كتابة حقيقي، إلى طرق التجارة البحريةالتي نقلت الأفكار والبضائع عبر البحر الأبيض المتوسط القديم، إلى الأرجوان الصوري،وأسس القانون الروماني التي كانت تدرّس في بيروت القديمة، كان أثر لبنان في الحضارةدائماً أكبر من حدوده. ذكر اسمه في الكتاب المقدس أكثر من سبعين مرة، ويحتفى بأرزه كرمزللقوة والجمال والقداسة منذ القدم.

وفي العصر الحديث، أعطى العالم أدباً يقرأ بأكثر من مئة لغة، وإنجازات في الطب والعلوم،ومنتشرين يبلغ عددهم نحو خمسة عشر مليون نسمة، أكبر من البلد نفسه، لا يزال أطباؤهوعلماؤه ورجال أعماله وفنانوه يشكّلون مجتمعات بعيداً عن شواطئ لبنان. عبر آلاف السنينمن الإمبراطوريات والغزوات، لم يصمد لبنان بعزل نفسه، بل بالربط بين الشرق والغرب،وباستيعاب ونقل أفضل ما فيهما، وهي حقيقة عبّر عنها البابا يوحنا بولس الثاني حين وصفلبنان بأنه "أكثر من بلد، إنه رسالة". إنه بلد صغير أعطى مراراً الإنسانية أكثر بكثير ممايوحي به حجمه، وبذلك استحق بجدارة مكانته كجسر بين الشرق والغرب.

ليس لبنان مجرد بلد من ثماني عشرة طائفة معترف بها تعيش ضمن حدود واحدة. إنه دليل،منذ ما يقارب القرن، على أن هذه الطوائف يمكن أن تتشارك وطناً واحداً، وعلماً واحداً، وإنشاء الله، جيشاً واحداً، من دون أن يضطر أي منها إلى الذوبان في الأخرى. يشرّفني أنأكون رئيس الدولة المسيحي الوحيد في العالم العربي بأسره، ولا أقول هذا كتميّز شخصي، بل لأنه يعكس النموذج الفريد للعيش المشترك في لبنان، نظام يمكن أن ينجح فعلاً، جيلاً بعدجيل، رغم أسوأ ما عصف به التاريخ. هذا أمر يستحق الحماية. ليس من أجل لبنان وحده، بلمن أجل المنطقة، ويستحق الحماية لأنه يقوم على الأساس نفسه الذي بنيتم عليه أمّتكم. منذ مايقارب مئة عام، كان لبنان ديمقراطية. عبر الاحتلال، والحرب الأهلية، و الانهيار الاقتصادي، لميتوقف شعبنا يوماً عن التصويت، ولم يتوقف عن النقاش، ولم يتوقف عن الإيمان بأن من حقهاختيار من يحكمه. لقد اختبرت ديمقراطيتنا بطرق قلّما اختبرت بها ديمقراطية أخرى. انحنت،لكنها لم تنكسر أبداً.

في السنوات القليلة الماضية وحدها، تحمّل شعبنا عبء استضافة أعلى نسبة من اللاجئينللفرد الواحد في العالم، وهول انفجار مرفأ بيروت، وانهياراً مالياً قضى على مدخرات العمربين ليلة وضحاها، وجائحة عالمية، وفراغاً سياسياً، وحرباً مدمّرة، ومع ذلك، لم يتخلَّ عن بلده.يشارك لبنان أميركا إيمانها بأن الشعوب الحرة، والأسواق الحرة، والمؤسسات القوية تصنعأمماً أقوى. وفي وقت كانت فيه المصالح الأميركية مستهدفة في هذه المنطقة، بقي لبناناستثناء. جعلت من أولوياتي، سواء بصفتي قائداً للجيش أو رئيساً للجمهورية، ضمان حمايةالمصالح الأميركية والأفراد الأميركيين في لبنان. لكنني الليلة، لا أستطيع أن أحدثكم فقط عمّاحماه لبنان، بل يجب أن أتحدث أيضًا عمّا خسره لبنان.

يعاني لبنان معاناة هائلة. قُتل آلاف من المدنيّين، بينهم كثير من النساء والأطفال الذين كانيجب أن يكونوا آمنين في بيوتهم. دمّرت قرى بأكملها. أبيدت عائلات بأكملها. ونزح قرابة واحدمن كل خمسة لبنانيين من منازلهم. بالنسبة إلينا، هذه ليست إحصاءات. إنهم أبناؤنا، وآباؤنا،وجيراننا وأصدقاؤنا. وراء كل رقم هناك وجه، واسم، وعائلة، وحياة تغيّرت إلى الأبد. كما يعلمكثير منكم، أمضيت اثنين وأربعين عاماً من حياتي في خدمة الجيش اللبناني، مترقياً فيالرتبة حتى أصبحت قائده العام. رسّخت فيّ تلك العقود الأربعة قناعة أحملها معي في هذاالمنصب كل يوم: أن لبنان لا يمكن أن يكون آمناً، ولا يمكن أن يكون موحداً، إلا حين يكون دولةواحدة بجيش واحد، يحمي جميع اللبنانيين من دون تمييز.

هذه القناعة ليست شعارًا بالنسبة إليّ، إنها مهمة ولايتي الرئاسية، ومن خلالها أحمل مسؤوليةإنهاء هذه الحرب، ومساعدة تلك العائلات على العودة إلى ديارها، وإعادة بناء مجتمعاتها،والتطلع إلى المستقبل بأمل، وإنهاء حالة العداء مع إسرائيل بشكل نهائي، وترسيخ سيادةالدولة اللبنانية. هذه المسؤولية هي ما جاء بي إلى واشنطن اليوم. وأعتقد أنه، وللمرة الأولىمنذ سنوات، بات لدينا فرصة حقيقية لصنع التاريخ.

ان لحظات كهذه لا تتكرر إلا مرة كل جيل. فإما أن تدرك الأمم قيمتها، أو تقضي جيلاً آخرنادمة على أنها لم تفعل. منذ ما يقارب خمسين عاماً، كان لبنان ساحة معركة لصراعاتومصالح آخرين: فلسطينية، وسورية، وإسرائيلية، وإيرانية، ونعم، أحيانًا صراعاتنا نحن. لكنأمراً جديداً يحدث اليوم. ليس بالصدفة او بالحظ، بل بالاختيار، اختيارنا نحن.

أولا، داخل لبنان: منذ تولي السلطة، عملت الدولة، بشكل حاسم، نحو هدف واحد: دولة واحدة،جيش واحد، وإنهاء الجماعات المسلحة غير الشرعية العاملة خارج إطار الدولة. نحن نسعىإلى إصلاحات حقيقية، ونعمل على إنهاء الفساد، وإعادة بناء المؤسسات التي يمكن للشعباللبناني أن يثق بها من جديد.

كل خطوة اتخذناها تثبت الأمر نفسه: أن هذا المسار - مسار الدولة السيدة المسؤولة - ليسفقط المسار الصحيح من حيث المبدأ، بل الوحيد القادر فعلاً على إنهاء النزاع وتحقيق الازدهارالذي يستحقه شعبنا. وهذا ليس مساراً نسلكه وحدنا، بل تقف خلفه بثبات أغلبية واضحة مناللبنانيين، من كل الطوائف.

ثانيًا من حولنا: اتخذنا خياراً متعمداً لاستعادة علاقات لبنان في المنطقة والعالم، وإعادةتموضع لبنان حيث ينتمي، لا كساحة لأجندات الآخرين، بل كدولة سيدة ترفض التدخل من أيجهة، وبأي شكل. وقد أكسبنا هذا الخيار دعماً متجدداً من أصدقاء في العالم العربيوخارجه. ولا يتجلى هذا التحول بوضوح أكبر مما هو عليه مع جارتنا، سوريا. نحن نبني علاقةمع دمشق على أساس ما كان يجب أن تكون عليه دائماً: علاقة من دولة الى دولة، حصرية،تقوم على الاحترام المتبادل والسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. لا أحد منا يريدتكرار المآسي التي سبّبتها هذه التدخلات في الماضي، مآسٍ كان يمكن أن تزعزع استقرارلبنان فقط، ولا سوريا وحدها، بل المنطقة بأسرها.

وثالثًا هناك الولايات المتحدة: تحت قيادة الرئيس ترامب، ومن خلال الإطار الثلاثي الذيتوسّطت فيه إدارته بين لبنان وإسرائيل في حزيران الماضي، بات لدينا الالتزام الاميركي الاكثر جدية باستقرار لبنان منذ عقود. ولم يتم التوصل الى هذا الإطار بالصدفة، لقد حصللأن إدارتكم دفعت من أجل تحقيقه، ولأن لبنان حضر مستعداً لتحويله الى واقع. وصدّقوني انهنادراً ما تتقاطع الإرادة الداخلية، والدعم الإقليمي، والقيادة الأميركية في اللحظة نفسها. الليلة، هي تتقاطع.

جئت إلى واشنطن لأن فرصاً كهذه لا تأتي كثيرا. لكن السياسة والدبلوماسية تمنحانناالفرصة. ما نحتاجه الآن هو مؤسسة قوية بما يكفي لتحقيقها، والجيش اللبناني هو المؤسسةالتي تحمل ثقل كل ما وصفته الليلة.

ان القوات المسلحة اللبنانية ليست مجرد جيش، إنها المؤسسة الوطنية الحقيقية الوحيدة التيتحظى بثقة جميع اللبنانيين، والقوة الوحيدة التي لا تنتمي إلى طائفة، او حزب، او فصيل، بلإلى لبنان وحده، إنها تحرس أرضنا وحدودنا البحرية. لقد هزمت داعش على أرضنا، وهي خطدفاعنا الأول ضد تهريب المخدرات، والجريمة المنظمة، والتهريب عبر حدودنا، وتعمل بالتعاونمع قوى الأمن الداخلي للحفاظ على النظام العام، وتحمي البنية التحتية الحيوية التي يعتمدعليها شعبنا كل يوم. وحين تقع الكارثة: فيضان، انفجار، انهيار، فإن الجيش اللبناني هو أولمن يستجيب، في كل مرة، لكل مجتمع، من دون استثناء. هذه هي المؤسسة التي نطلب منكممواصلة الاستثمار فيها، لأن سجلّها يتحدث عن نفسه: مؤسسة مثبتة، ومختبرة، وجديرة بالثقةالتي نطلب منكم منحها إياها، وهي نفسها التي سيراقبها العالم عن كثب ونحن نخوضأصعب سؤال هذا المساء. 

دعوني أتناول مباشرة السؤال الذي أعرف أنه يشغل بال الجميع الليلة: هل نزع سلاح حزبالله قابل للتحقيق فعلًا؟ نعم، لكن فقط إذا كنا صادقين بشأن ما يتطلبه الأمر فعلاً. الجماعةالمسلحة التي نتحدث عنها ليست قوة مرتزقة أجنبية، إنها مؤلفة من مواطنين لبنانيين شكّلهم،على مدى أربعين عاماً، استثمار هائل ومستمر على الصعيد الأيديولوجي، والاجتماعي،والعسكري ليتحوّلوا إلى جماعة مسلحة غير تابعة للدولة تعمل خارج سيطرة الحكومة. هذاالواقع لا يجعل الهدف أقل إلحاحاً، بل يجعل الأسلوب أكثر أهمية. يقدّم لنا التاريخ مساراًمثبتاً، من القوات المسلحة الثورية في كولومبيا إلى الجيش الجمهوري الإيرلندي في أيرلنداالشمالية، وهو ليس لغزًا: نزع السلاح، والتسريح، وإعادة الإدماج. يبدأ الامر بإزالة السببالجذري الذي طالما استشهد به حزب الله كمبرر لوجوده، الاحتلال الإسرائيلي للأراضياللبنانية. ويستمر مع تولّي الجيش اللبناني السيطرة العملانية الكاملة والحصرية، وهو مايتطلب دعماً فورياً وغير مشروط لقوانا العسكرية، المدافع الشرعي الوحيد عن هذا البلد، وينتهي بإعادة الإندماج: برنامج إعادة إعمار تديره الدولة اللبنانية وحدها، مقروناً بفرصاقتصادية حقيقية، بحيث لا يعود السلاح هو الخيار الوحيد، بل بينه وبين دولة فاعلة تحقق وعودها. المعادلة بسيطة: مسار سياسي من دون مسار اقتصادي هو دولة لا يمكنها المنافسة.الدولة القوية هي البديل الوحيد للفراغ، الذي ان لم تحل الدولة محله، فسيتولى آخرون هذه المسؤولية. 

في كل مرحلة من هذا المسار، يجب أن تكون الدولة اللبنانية هي الطرف الذي يبسط سلطتهعلى أرضه، ويتحكم بحدوده، ويحتكر وحده قرار الحرب والسلم على أراضيه. هذا هو المسارالذي اخترته، وهو المسار الذي جئت إلى واشنطن لأطلب منكم أن تسلكوه معنا.

سيداتي وسادتي،

لطالما عرف لبنان كساحة معركة لحروب الآخرين. أريد أن يذكر الجيل القادم لبنان لا بوصفهالمكان الذي لم تنتهِ فيه الحروب يوماً، بل بوصفه المكان الذي ساد فيه السلام أخيراً. ليس فقطلأن الاسلحة صمتت، بل لأن الدولة أصبحت قوية بما يكفي لحماية شعبها، وتوفير الفرصلمواطنيها، وبناء مستقبل يليق بمواهبهم.

هذه هي الشراكة التي نأمل في بنائها مع الولايات المتحدة. أعتقد أنه لم يسبق أن كانت هناكلحظة أفضل لبنائها، ولا شريك أنسب لمساعدتنا في بنائها من الولايات المتحدة.

وقبل أن أختم، أتوجه بخالص شكري إلى جميع الحاضرين في هذه القاعة على دعمكمللبنان، وإلى سفيرتنا ندى حمادة معوض، وإلى وفد التفاوض اللبناني بأكمله، على عملهمالدؤوب في تحقيق الإطار الثلاثي وجعل هذه الزيارة ممكنة. فلتنضموا إليّ في نخب للصداقةبين لبنان والولايات المتحدة، صداقة عريقة بما يكفي لتكون قد اكتسبت الثقة، وإن شاء الله،قوية بما يكفي لإعادة كتابة قصة هذه المنطقة، مرة وإلى الأبد. للبنان، وللولايات المتحدة."

وخلال العشاء، تبادل الرئيس عون والمدعوين اطراف الحديث، وتم التطرق الى الوضع في لبنان وما يمكن ان تقدمه الولايات المتحدة للمساعدة على استعادة الصورة الحقيقية لهذا البلد ولعب الدور الذي لطالما كان يتميز به في الشرق الاوسط والعالم، كما اطلع الرئيس عون على اوضاع اللبنانيين بشكل عام في الولايات المتحدة وفي واشنطن بشكل خاص.

 


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa