لبنان لا يُفهم من بعيد

05:57PM

كتبت ليلى بزي في الحرة:


وصلتُ إلى بيروت قرابة العاشرة مساء. كان مطار رفيق الحريري الدولي مكتظا بالمسافرين: لبنانيون في طريقهم إلى الاغتراب، وعائلات عائدة إلى الوطن، سياح وزوار.

في طابور الجوازات، ارتفع صوت طفل لا يتجاوز السابعة. كان يحدق في أحد المسافرين الأجانب، وقد بدا عليه الامتعاض، فيما وقفت والدته إلى جانبه، محجّبة ملفوفة بالسواد، تراقبه بابتسامة كأنها توافق على نظرته غير الودودة اتجاه المسافر.

خارج المطار، منذ الأمتار الأولى، يبدأ لبنان بالكلام.

الطريق إلى بيروت ليس ممرا للسيارات، إنه مقدمة لحكاية بلد، مثيرة.

على جانبي الطريق ترتسم معالم معركة بصرية لا تهدأ: لافتات الدولة اللبنانية تتقاطع مع لافتات حزب الله وصور قادة إيرانيين معلّقة على أعمدة الإنارة نفسها. كلّ لافتة رواية، وكلّ رواية تنازع الأخرى.

في بضع كيلومترات، تقرأ الصراع الداخلي اللبناني – السياسي والاجتماعي والهوياتي – متجلّيا على جانبَي الطريق. مدخل العاصمة لا يُرحّب بك. يُخبرك بمن يحكم الفضاء العام، وبمن لا يزال يتنازع عليه.

إقامتي كانت في شمال بيروت. لا أثر للحرب هناك. المدينة تسير في ليلها بوتيرتها المعهودة: مطاعم ومقاه وضجيج وضحك. لا شيء هنا يشي ببلد بالكاد خرج للتو من حرب ودخل في هدنة رخوة.

في اليوم الثاني، ذهبت إلى الضاحية الجنوبية لبيروت لزيارة قبر أمي. كان حزب الله يُحيي مجلس عزاء للمرشد الإيراني خامنئي، الذي قُتل في فبراير 2026، ولم يُوارَ الثرى إلا في يوليو، بعد أن جالت جثته بين طهران والنجف ومشهد.

في الإسلام، تكريم الميت يبدأ بدفنه. التكريم الإيراني للمرشد كان في الطواف بجثته أوّلا. ما فعلته طهران في هذا الصدد لم يكن طقسا دينيا. كان عرضا سياسيا. وقوفي أمام قبر أمي جعلني أفكر في هذا التناقض بصمت.

الضاحية نفسها كانت تناقضا من نوع آخر. ميكانيكيون يعملون في ورشهم، أفران مفتوحة، ناس يشربون قهوتهم قرب منازل مهدّمة، وآخرون يشيرون بأصابعهم إلى السماء. صوت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية لا يغيب، بل يفرض وجوده في خلفية كل محادثة وكل نشاط. أهل الضاحية أعطوا اسما لإحدى هذه المسيرات الإسرائيلية: أم كامل – المرأة الثرثارة التي لا تترك أحدا في حاله وتجلب الفوضى أينما حلّت.

في أصعب اللحظات، يجد اللبنانيون طريقة للسخرية، للتعايش مع الواقع.

بعدها بيوم، كان لديّ موعد في السراي الحكومي مع رئيس الحكومة نواف سلام. أول ما يثير انتباهك حين تدخل السراي هو الوجوه. فريق عمله يبتسم، ليس ابتسامة البروتوكول كما يسمونها، بل بشكل أهدأ ويبدو أصدق.

استقبلتنا السفيرة فرح الخطيب، مديرة مكتبه. بدت هادئة ورصينة، وعلى دراية بتفاصيل الملف، لا بخطوطه العريضة فحسب. عملت عن قرب على ورقة توم باراك بشأن لبنان، التي تضمنت نقاطا طموحة لم تلقَ ترحيبا في حينه، قبل أن يتحقق بعضها لاحقا على أرض الواقع. وكان للسيدة الخطيب دور في مسار بقي في معظمه بعيدا عن العناوين.

حدثتنا عن يومياته: كيف يستيقظ باكرا ويبدأ العمل من منزله، كيف يتابع عمل الوزراء والوزارات باتصال مباشر مع كل وزير، وكيف يصل إلى مكتبه فيجلس مع فريق عمله على القهوة. قالت إنه أحياناً، إن لم يكن مرتبطاً بغداء رسمي، يجلس مع أعضاء الفريق في المكان الذي يتناولون فيه طعامهم. ثم أثبت هو بنفسه تواضعه، تأخر عشر دقائق، فجاء شخصياً إلى مكتبها ليعتذر، واصطحبنا إلى مكتبه.

الجلسة معه كانت مريحة. هذا ليس أمرا مفروغا منه مع رئيس حكومة يقود بلداً في حالة حرب. لم يكثر الكلام كعادته، لكنه كان منخرطاً وحاضراً.

سألته عن الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل ودخول الجيش اللبناني إلى المنطقة التجريبية في الجنوب وما إذا كان ذلك يستلزم قرارا من مجلس الوزراء.

قال بوضوح: لا. الجيش اللبناني يجب أن يكون في كلّ مكان وأن يصل إلى أيّ مكان في لبنان، وهذا لا يحتاج إجراءً إضافياً. بالنسبة له، الأمر بهذه البساطة. قلت له إن الأمر لن يكون سهلاً على أرض الواقع، لأن ثمة أطرافاً قادرة على كسر الهدوء. لم يعترض ولم يوافق. كرر الجملة نفسها: الجيش اللبناني يجب أن يتولى المسؤولية في الجنوب.

لبنان الرسمي، في مكتب نواف سلام، يبدو هادئاً وواثقاً ومنضبطاً. لكن السؤال الذي لم يُقَل صراحةً كان حاضراً في الغرفة: هل يكفي ذلك؟

في 26  يونيو، وقّع لبنان وإسرائيل برعاية أميركية “اتفاقاً إطاريّا” يرسم طريقاً نحو “سلام وأمن شاملين”، يتضمن دخول الجيش اللبناني بشكل حصري وتدريجي إلى مناطق الجنوب. الاتفاق الذي تحدّث عنه سلام بثقة وأكد أهميته رفضه حزب الله، ووصفه أمينه العام نعيم قاسم بأنه “خطأ جسيم” و”لاغٍ وباطل”. كما حذّر النائب عن الحزب في مجلس النواب حسن فضل الله من حرب أهليه في حال أصرّت السلطات على تطبيق الاتفاق. هذا بالضبط ما قلته لرئيس الحكومة في مكتبه. لم يعترض ولم يوافق.  لقد سبقه حزب الله في الإجابة.

في خلفية كلّ هذه الصورة المعقّدة أرقام لا تقبل التأويل: أكثر من 4230 و12179 جريحاً منذ مارس الماضي. ومع نهاية 2026، تنتهي مهمة اليونيفيل بقرار من مجلس الأمن ليبقى الجنوب بعدها بلا حضور دولي وإن كان رمزياً. الهدوء والثقة في مكتب نواف سلام حقيقيان، لكن ما ينتظره خارج ذلك المكتب يتجاوز كثيراً الحديث الهادئ. ثمة حاجة إلى عمل وجهد كبيرين جداً من أجل ضمان مستقبل أفضل للجنوبيين واللبنانيين عموماً، كما يرى كثيرون

على بُعد كيلومترات من السراي، في القصر الجمهوري، كان ثمة وجه آخر للصورة ذاتها، لكن بطاقة مختلفة.

في هذه الزيارة، جلست مع أهل وأصدقاء، من بنت جبيل ومن الجنوب، من طوائف مختلفة، وكثيرون منهم شيعة من تلك القرى التي دفعت الثمن الأعلى. لم يكن الحديث عن السياسة بمعناها المجرد. كان عن شيء أعمق وأكثر إيلاما: مع من أنت؟ وضد من؟ هل الجيش اللبناني قادر على أن يكون الحامي الوحيد، أم أن هذا الكلام يبقى في عالم الأمنيات؟ وهل يجوز أن يُوصم كل شيعي بانتمائه إلى هذا الحزب أو ذاك، بينما هو يحمل في داخله لبنانيته أولا؟

الإجابات لم تكن متطابقة. لكن السؤال كان واحداً عند الجميع: الشيعة اللبنانيون ليسوا حزب الله، كما أن حزب الله لا يمثّل الشيعة اللبنانيين. كلام يبدو بديهيا. لكن في لبنان اليوم، في بنت جبيل وفي كل بيت جنوبي دفع ثمن حرب لم يخترها، البديهي شجاع

قبل انتهاء رحلة العمل الى بيروت، ذهبت مع زوجي إلى مطعم على الشاطئ في شمال لبنان: سمك طازج مقليّ وبحر يمشي معك حتى الطاولة. حين سألنا عن نوع السمك الذي سيتم تقديمه، قالت صاحبة المكان: سأحضر لكم قليلاً من كلّ نوع.

بعد أن حضر السمك، بدت الطاولة عنواناً لأكثر ما يميز ثقافة هذا البلد وشعبه: التنوّع.

على الطاولة المجاورة، جلس لبناني وزوجته في الأربعينيات من العمر، يتحدثان مع ضيوف أميركيين عن لبنان، ويحاولان شرح بعض جوانب هذه الثقافة وما يدور في البلد. كانوا يوضحون لهم التنوع الموجود يه – الثماني عشرة طائفة، والنظام الذي يوزع السلطة عليها: الرئيس مارونيّ، رئيس الحكومة سنيّ، رئيس البرلمان شيعيّ. ثم ينتقلون للحديث عن الناس والقرى المسيحية والسنية والشيعية المتجاورة، وعن التنوّع الطائفي والمذهبي داخل الكثير منها.

جلست أستمع، وفي ذهني نقاشات قديمة مع زملائي عن لبنان. يصف اللبنانيون بلدهم بأنه فسيفساء من الطوائف، لكن الخريطة تبدو أقل اختلاطاً مما توحي به الرواية. فلكل مذهب، إلى حد كبير، مجاله الجغرافي، بينما بقي النظام السياسي أسير توازنات وُضعت قبل أكثر من 80 عاماً. فمنذ آخر تعداد سكاني رسمي عام 1932، لم تُحدَّث الأرقام، لأن أي تعداد جديد قد يعيد طرح السؤال الأكثر حساسية في لبنان: من يمثل الأكثرية، ومن يملك السلطة؟

التقديرات الأحدث تقول إن الشيعة باتوا يشكّلون نحو 32 في المئة من السكان، والسنة 31 في المئة، والمسيحيون، بمختلف طوائفهم، نحو 32 في المئة، والدروز 5.5 في المئة. أرقام تحكي وحدها قصة بلد لم يواكب نظامه السياسي التغييرات الديموغرافية التي حدثت منذ عقود.

على أن هذه الفسيفساء على مستوى المكونات، وما يجري في لبنان ولاسيما جر حزب الله البلد إلى حرب يرى معظم اللبنانيين أنها ليست حربهم، أعادا إلى الواجهة الحديث عن الفيدرالية. الفكرة في جوهرها بسيطة: أن يحكم كلّ مكوّن منطقته وأن تكون له مؤسساته وقراره، من دون أن يُورَّط في حروب باسم وحدة وطنية لم تحمه يوماً. الفكرة ليست جديدة لكنها تطرح بإلحاح وجدّية هذه المرة من قبل العديد من الشخصيات السياسية والمكونات الطائفية والمذهبية.

أينما ذهبت في هذه الزيارة، كنت أسمع الإنجليزية والفرنسية. اللهجة اللبنانية نفسها باتت خليطاً من جمل عربية ومفردات أجنبية، وكأنها لم تعد تكفي وحدها.

الأميركيون الذين التقيتهم لم يكونوا مغتربين لبنانيين في الولايات المتحدة أو غيرها، بل زواراً جاءوا رغم تحذيرات حكومتهم. كانوا يبحثون عن لبنان، لكنهم وجدوا شيئاً أكثر تعقيداً. وجدوا بلداً لا يشبه الصورة التي تنقلها نشرات الأخبار عنه. لم يجدوا شعباً مكسوراً ولا مدينة استسلمت للحرب، بل مجتمعاً يواصل حياته بعناد؛ يشرب قهوته بين الأبنية المهدمة، يرفع رأسه إلى المسيّرة في السماء، ثم يكمل حديثه كأن الحياة لا تزال أقوى من الضجيج.

لبنان لا يُفهم من بعيد، ولا تختصره التقارير ولا البيانات الرسمية. يُفهم على طريق المطار، وفي الضاحية، وفي مكتب رئيس الحكومة، وعلى طاولة مطعم تطل على البحر. هناك فقط تدرك أن هذا البلد لا يعيش تناقضاته على هامش حياته، بل يجعلها جزءاً من حياته اليومية. وربما لهذا السبب، لا يغادره زائره وهو يحمل إجابات أكثر، بل أسئلة أكثر.

شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

تواصل إجتماعي

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa