عون يعيد ترسيم حدود الدولة في البيت الأبيض

07:10AM

كتب سامر زريق في نداء الوطن: 


يشكل لقاء البيت الأبيض اختراقًا نوعيًا على مستوى العلاقة بين الرئاسة اللبنانية والإدارة الأميركية منذ عقود، خصوصًا أنه حصل بدعوة من الرئيس الأميركي. والحال أن الرئيس جوزاف عون اجتاز بثقة وشجاعة مشهودتين تحدي الجلوس أمام ترامب، وأثبت أنه رجل دولة يتمتع بالصلابة والجدية المطلوبتين، ليعرف ماذا يريد من هذا اللقاء ضمن حدود الممكن والمتاح، في وقت عزف فيه كثير من قادة العالم عن خوض هذه الموقعة السياسية في ظل الإحراجات الترامبية أمام الملأ، والتي قد تصل إلى حد تحميل الضيف وزر تعهدات ومواقف صعبة.


يمكن القول إن الرئيس اللبناني أعاد ترسيم حدود الدولة في البيت الأبيض. فلم تسكره الأجواء السائدة، التي تجعل المكان أقرب إلى منصة تتويج بحضور الرئيس الأميركي وكبار المسؤولين، وأمام كبريات وسائل الإعلام الدولية، ولم ينجرف نحو إظهار نفسه، حيث غابت ملامح "الأنا" المتورمة التي تطغى على كثير من المسؤولين عندنا، بل حرص على ترسيخ الثوابت التي طرحها في خطاب قسمه، وترجمتها إلى برنامج سياسي واضح أمام الإدارة الأميركية.


بدأ ذلك بالمطالبة بتثبيت وقف إطلاق النار كقاعدة أساسية لترسيخ الاستقرار، مرورًا بالسعي لتحقيق السلام بتعريف يتلاقى مع مقاربته بإخراج لبنان من دائرة الصراعات، وتوصيف بري بأنه "رجل دولة" بما يتسق مع بحثه عن "شركاء جديين" لاستنهاض مشروع الدولة من ركام الدويلات، وصولا إلى "حصرية السلاح" واحتكار الدولة "قرار الحرب والسلم"، والحديث عن "حزب الله" بمنطق الحزب السياسي وليس الخصم أو العدو، وتاليًا إفساح المجال أمامه للحاق بركب الدولة. وانتهاءً بالدعم الكبير الذي قدمه للجيش بوصفه ركيزة الدولة و"ثقة" السلطة.


في الموازاة، استطاع الرئيس عون أن يثبت لـ"حزب الله" وحاضنته، ولكل اللبنانيين، المتشككين والمعارضين والداعمين، أن التحرير بالوسائل السياسية والدبلوماسية ممكن وليس مستحيلا، لكنه مسار متدرج يستوجب التعاون وتنفيذ الالتزامات من قبل كل الأطراف. فمع أن ترامب لم يمنحه التزامًا صريحًا بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، فأنه حصل على التزام أميركي واضح بمواصلة الدعم السياسي للدولة واللوجستي للجيش، وأولى بوادر هذا الدعم تجسدت في قرار السماح بالطيران المباشر بين البلدين، ليكون ترجمة عملية لاستعادة الثقة بالدولة اللبنانية ومؤسساتها.


ناهيكم أن تنفيذ إسرائيل انسحابًا من بعض البلدات لم يكن ليحصل لولا الضغط الأميركي، وهو ما يشكل مؤشرًا يمكن البناء عليه لتطبيق "صيغة الإطار"، والمضي في المفاوضات التي ستدخل مراحل شاقة ومعقدة. كما يقوض الادعاءات التي يسوقها "الحزب" لتسويغ موقفه الرافض للاتفاق، والذي يمثل عامل ضغط وإرباك يضعف موقف الدولة التفاوضي. في المقابل، أظهرت واشنطن أنها وجدت في الرئاسة اللبنانية شريكًا جديًا مستعدًا لتحمل مسؤولية تنفيذ الالتزامات المطلوبة، بما يفسر انتقالها من سياسة الضغط إلى الجمع بين الضغط وتقديم الحوافز السياسية.


بحسب الوثيقة التنفيذية التي قدمها الرئيس جوزاف عون إلى الإدارة الأميركية، فإن المطلوب من "الحزب" هو إعلان واضح بالارتصاف خلف الدولة كي تنقذه من نفسه ومن اندفاعاته الانتحارية، وهو ما سبق أن جرى الاتفاق عليه لتجنب السيناريوهات الأسوأ، لكن "الحزب" نكث بوعده.


وبذا، رمى رئيس الجمهورية الكرة في ملعب "الحزب": تريدون تحرير الأرض؟ اتبعوني. ها هو ترامب مستعد للحديث معكم. قلتم وكررتم إن السلاح ضرورة لا هدف بحد ذاته، فضعوه تحت كنف الدولة لتحموا الأرض والناس. والأمر نفسه يسري على حملة "الحزب" المضادة لتطويق مفاعيل لقاء البيت الأبيض، وتركيزها على حديث ترامب عن إمكانية دخول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى لبنان. ذلك أن تسليم السلاح للدولة، أو احتواءه، أو أيًا يكن المسمى المعتمد للحل يسحب ذريعة التدخل السوري.


بالمحصلة، لم يدخل الرئيس عون البيت الأبيض بحثًا عن صورة، حيث قدم خطابًا يجسد إعلانًا عمليًا لشكل الدولة التي يريدها عون: دولة تتولى وحدها القرارات الاستراتيجية الحساسة وإدارة الأمن والسياسة الخارجية "بلا أوصياء". دولة تفتح الباب أمام جميع القوى للاندماج في مشروعها، وتشكل الضمانة لجميع أبنائها على اختلاف تعريفهم لها وموقفهم منها. فهل من مدّكر؟


المصدر : نداء الوطن

شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa