أزمة تأليف الحكومة باتت مفتوحة... "الفيديو المسرّب" زاد من حدّة الخلاف

14/01/2021 06:43AM

في الجانب السياسي، يتأكّد يوماً بعد يوم انّ لعنة سياسية حلّت بلبنان، حكمت عليه بالخضوع لفئة من المتحكمين بزمامه، تمنع عليه التنفس، وتقطع عليه كل محاولة لتلمّس سبل الخروج من الأزمة، دون اي اعتبار لما قد يراكمه هذا المنحى من اسباب وعوامل تقرّب هذا البلد من خطر الدمار الشامل على كل المستويات.

 

والحقيقة المخيفة أمام هذه اللعنة، هي أنّ القراءات السياسية للمشهد اللبناني في هذه المرحلة تتقاطع عند الخشية من تزايد انتفاخ الورم السياسي، وتعمّق الانقسام السياسي والطائفي، في صورة يبدو فيها لبنان وكأنّه يقترب سريعاً نحو منعطفات في منتهى الخطورة ومنزلقات تهدّد مصيره وكيانه.

والأخطر في تلك القراءات، توصيفها أنّ وضع لبنان حالياً، أشبه ما يكون بالاجواء التي كانت تسود عشية سلسلة كوارث ضربت لبنان في مراحل سابقة، وجرّت عليه ويلات ما زال يحصد تداعياتها حتى اليوم، وهو وضع يُخشى من ان يُدفع البلد اليه، مع صعود التراشق السياسي الى الذروة، والحفر اليومي في هوة الانقسام الداخلي وتوسيعها، والعزف اليومي على أوتار الشحن والغرائز والهدم المتعمّد لكلّ جسور التواصل والتفاهم، أقلّه على حكومة تتولّى إدارة شؤون البلد، في مرحلة هي الاخطر في تاريخه، وتنقذ ما يمكن إنقاذه مما تبقّى من ركام سياسي واقتصادي ومالي ونقدي واجتماعي ومعيشي وحياتي وحتى أمني.

وسط هذه الاجواء، ينبري سؤال برسم المتحكّمين بزمام امور البلد والنافخين في نار التوتير السياسي: ماذا بعد؟ والى أين؟

 

وفق المعطيات السائدة بين جبهتي الصدام الداخلي، فإنّ الجواب واضح لدى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون (الذي أجرى فحوصات طبية روتينية في مستشفى اوتيل ديو أمس، وعاد بعدها الى قصر بعبدا) والرئيس المكلّف سعد الحريري، (الذي سافر امس الى دولة الامارات العربية المتحدة في زيارة قد تستمر حتى يوم الاثنين المقبل)، وهو انّهما بعد الفيديو المسرّب لكلام رئيس الجمهورية بحق الرئيس المكلّف، وصلا الى مرحلة الطلاق بينهما، وبالتالي الإستمرار في الجو المحموم بينهما الى ما شاء الله. وهذا ما تؤكّده الأوساط القريبة من القصر الجمهوري وبيت الوسط.

 

 

وبحسب معلومات «الجمهوريّة»، فإنّ نقاشاً جرى في الساعات الأخيرة في مجلس مرجع مسؤول، حول ما استجد على خط الرئاستين الاولى والثالثة، خلص الى التسليم بانسداد الأفق نهائيّاً، والى استحالة احتواء «أزمة الفيديو»، التي يبدو أنّها قطع آخر شعرة بين عون والحريري.

 

وتشير المعلومات، إلى فكرة تمّ تداولها خلال النقاش، لعودة تحرّك الوسطاء بين عون والحريري، وأن يتولّى جانباً أساسياً منها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، مؤيّداً من الثنائي الشيعي تحديداً، الّا انّ هذه الفكرة فقدت حماستها أمام معطيات كُشفت خلال النقاش، تفيد بأنّ الرئيسين عون والحريري قد حسم كل منهما خياره، وأعدما كل امكانية لعودة التعايش بينهما تحت سقف حكومي واحد، ويعبّران عن ذلك بالرسائل النارية المتبادلة، سواء بينهما مباشرة أو عبر منصّاتهما السياسية والاعلامية.

وسط هذه الصورة المقفلة، تعكس أوساط قريبة من القصر الجمهوري أجواء تتجاوز فيها «أزمة الفيديو»، وتلقي مسؤولية تعطيل الوصول الى تشكيل الحكومة على الرئيس المكلّف وتردّده في مقاربة ملف التأليف حيال ما يتطلبه من واقعية وموضوعيّة، ومحاولته تجاوز رئيس الجمهورية وموقعه وشراكته الدستوريّة في تاليف الحكومة، وذلك عبر إصرار الرئيس المكلّف على معايير يصرّ من خلالها على تشكيل حكومة يديرها كيفما يشاء، وهو ما لن يقبل به رئيس الجمهورية على الاطلاق.

 

وتلفت هذه الأوساط، الى أنّ رئيس الجمهورية وفي كلامه المسرّب «لم ينطق بالكفر، بل عبّر عن حقيقة ما يجري، وخصوصاً امام محاولات قلب الوقائع والحقائق التي دأب عليها الرئيس المكلّف».

 

وفيما تجنّبت الأوساط تأكيد أو نفي ما نُقل عن رئيس الجمهورية بأنّ الحريري لا يصلح لترؤس حكومة انقاذ، قالت رداً على سؤال عمّا اذا كان التعايش بين عون والحريري ما زال ممكناً بعد أزمة الفيديو: «هناك معايير ينبغي اعتمادها لتأليف حكومة مهمّة فاعلة ومنتجة، وهي المفتاح الوحيد لتشكيل الحكومة، ومن دون هذه المعايير سيبقى مفتاح الحكومة ضائعاً، والكرة في ملعب الحريري، فعليه أن يحسم أمره، وخصوصاً أنّ رئيس الجمهورية لن يوقّع له على بياض».

 في مقابل ذلك، تبدو الصورة في بيت الوسط في ذروة الغليان والتأزّم، وهذا ما تعكسه الأوساط القريبة من الرئيس المكلّف، وخصوصاً انّ الفيديو المسرّب، أشعر الحريري وفريقه السياسي وبيئته بإهانة كبرى، يستحيل تمريرها.

وتلفت الاوساط، الى انّ ما تضمنّه الفيديو، يعبّر عن نهج معتمد منذ ما قبل تكليف الرئيس الحريري تشكيل الحكومة، ويسعى منذ ذلك الحين الى وضع العراقيل، ليس فقط على تعطيل تأليف الحكومة بحجج وذرائع واهية، بل لاستهداف الرئيس الحريري شخصياً ومحاولة اقصائه عن تشكيل الحكومة ودفعه الى الاعتذار، بهدف تكليف شخصية تكون طيّعة في يد جبران باسيل.

 

 

وتلفت هذه الاوساط، الى أنّ نيّة التعطيل كانت ظاهرة امام الرئيس المكلّف من البداية، ومن هنا كان تصميمه على متابعة مهمته بما تمليه عليه المسؤولية التي قبل أن يتولّاها في هذا الظرف، ووضع مسودة لحكومة بحجم المرحلة من شخصيات لا غبار على مناقبيتها وكفاءتها، واودعها رئيس الجمهورية، وتنتظر توقيعه عليها، وهو بذلك يكون قد قام بواجبه بكل مسؤولية، والكرة في ملعب رئيس الجمهورية.

 

وعمّا بعد «الفيديو المسرّب»، تشير الاوساط القريبة من الحريري، الى انّ «هذا الفيديو بما تضمنه من كلام مهين، ومجاف للحقيقة، جاء تتويجاً للمسار التعطيلي الذي ينتهجه فريق رئيس الجمهورية، علماً أنّ كلّ الناس تعلم علم اليقين من هو المعطّل الذي يسعى الى فرض شروطه للإمساك بالحكومة والتحكّم بقراراتها وتوجّهاتها، ومن هو المسهّل لتشكيل حكومة مهمّة تبدأ عملية الإنقاذ وتشرع في اعادة اعمار بيروت. وتبعاً لذلك، فإنّ الرئيس المكلّف قد وضع مسودة حكومته، وتنتظر التوقيع، وإذا كان ثمة من يمنّي نفسه بأنّ الرئيس المكلّف قد يبادر الى الاعتذار، فهذا الأمر غير وارد على الاطلاق، وهذا الامر لن يراه من يدفع اليه، الّا في الاحلام».

ربطاً بذلك، يؤكّد مرجع مسؤول لـ«الجمهورية»، أنّ «ما استُجد بين عون والحريري أدخل البلاد في أزمة تأليف مفتوحة، يُخشى ان يصل فيها البلد الى حال من الفلتان على كل المستويات».

 

ولم يستغرب المرجع المذكور ما قاله في الفيديو المسرّب، «لأنّ اكثر من هذا الكلام واقسى منه بكثير يُقال في كل المجالس من دون استثناء»، وعليه، فإنّ هذا المرجع «يستبعد مبادرة الرئيس المكلّف الى الاعتذار، فهذا الأمر ليس مطروحاً، كما أنّه ليس ممكناً لأنّ مفاعيله ستكون خطيرة جداً، تُدخل البلد في دهليز سياسي وطائفي لا نهاية له».

 

وقال: «لا أقلّل من حجم الخلاف بين رئيس الجمهوريّة والرئيس المكلّف، فكلاهما ساهما في تكبيره، وكلاهما يتشاركان في الخطأ بإلقاء المسؤولية على الآخر، فيما كلاهما مسؤول عن التوتير والتعطيل واقفال كل الأفق الحكومي».

 

من هنا، يضيف المرجع عينه: «قلت واكرّر انّ لا مفرّ امام عون والحريري من التوافق، والّا فإنّ الامور ستنحى في اتجاه المجهول، حيث سيدفع الجميع الثمن في نهايته، وفي المقدمة لبنان».

 

 

ورداً على سؤال عمّا اذا كان هناك تدخّل خارجي ما، وتحديداً فرنسي لفك العقدة الحكومية والتوفيق بين عون والحريري، قال المرجع: «أنا اميل الى التشاؤم أكثر من أي وقت مضى، ومع الأسف لا أرى اي نافذة يمكن من خلالها العبور الى تضييق الخلاف بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف، ولنكن صريحين، كل العالم تركنا، ولا يلتفت لنا في هذه الفترة، لا الفرنسيون ولا غير الفرنسيين، ولا اي من العرب، ولا الاميركيون الغارقون في مرحلتهم الانتقالية، وهم لا يروننا أصلاً، والسفيرة الاميركية غادرت بيروت وقرّرت ان تمضي اجازة لها في القاهرة، ومن هناك ستنتقل الى الولايات المتحدة لتلقّي توجيهات ادارتها الجديدة».

 

ومضى يقول: «كل العالم منصرف الى اولوياته، ولا يوجد أحد مهتم او عابئ بنا، ومعهم حق، لأننا افشلنا كل محاولاتهم لزرع التفاهم في ما بيننا، وأكثر من ذلك حوّلنا انفسنا الى أضحوكة ومسخرة في نظر العالم كله، وقدّمنا أسوأ نموذج في التخلّف وعدم الحرص على بلدنا، ومع الأسف ما زلنا مثابربن على هذا المنوال الذي سيؤدي استمراره الى اسقاط لبنان بالضربة القاضية عليه».

 

ولكن ما الحل؟ اجاب: «الحل صعب وشبه مستحيل ان لم يكن مستحيلاً، ويكمن في صحوة مفاجئة، تفك ارتباط الحكام بمصالحهم وغرائزهم، وتفك حظر التجوّل السياسي المفروض حالياً بين بعبدا وبيت الوسط، وسلوك التفاهم إن كان هناك سبيل له بعد».


المصدر : الجمهورية

شارك هذا الخبر

أهم الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك