العقاب الجماعي كنهج إسرائيلي في لبنان: الحرب على الإنسان قبل الأرض
28/05/2026 05:55PM
بقلم: د. قاسم السعد - باحث في حقوق الإنسان والطفل
حين تُقصف المدن، وتُدمَّر الطرقات، وتُقطع الكهرباء والمياه، وتتحول حياة الناس اليومية إلى سلسلة متواصلة من الخوف والنزوح والانتظار، فإن المسألة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين. في مثل هذه اللحظات، تصبح الحرب أعمق من الرصاص والصواريخ، وتتحول إلى محاولة لإعادة تشكيل الإنسان نفسه: نفسيًا، واجتماعيًا، وسياسيًا. وهذا ما يجعل فهم النهج الإسرائيلي في لبنان يتطلب قراءة تتجاوز التحليل العسكري التقليدي إلى تحليل البنية النفسية والاجتماعية للحرب.
منذ عقود، تعتمد إسرائيل في مواجهاتها مع لبنان على ما يمكن وصفه بسياسة “العقاب الجماعي”، أي توسيع دائرة الأذى لتشمل المجتمع بأسره، لا فقط المقاتلين أو البنية العسكرية المباشرة. وهذا النهج لا يظهر فقط في حجم القوة المستخدمة، بل في طبيعة الأهداف نفسها: الجسور، الطرقات، الأحياء السكنية، شبكات الكهرباء، المرافئ، والمرافق الحيوية التي ترتبط بالحياة اليومية للمدنيين.
في الظاهر، تُقدَّم هذه العمليات باعتبارها جزءًا من الضرورات الأمنية أو منطق الردع العسكري، لكن القراءة الأعمق تكشف أن الهدف يتجاوز إضعاف الخصم المسلح إلى ممارسة ضغط نفسي واجتماعي شامل على البيئة المحيطة به. فالحرب هنا لا تستهدف فقط القدرة العسكرية، بل قدرة المجتمع على الاحتمال والصمود والاستمرار.
إسرائيل تدرك أن التنظيمات المسلحة لا تعيش في فراغ، بل ضمن مجتمعات متشابكة سياسيًا وطائفيًا واجتماعيًا. لذلك فإن إنهاك المجتمع نفسه يصبح جزءًا من استراتيجية المواجهة. حين يشعر المواطن أن الحرب تهدد منزله، وعمله، وتعليم أطفاله، وأمنه الغذائي، واستقراره النفسي، يصبح المطلوب منه — بصورة غير مباشرة — أن يعيد التفكير في معنى استمرار هذا الصراع وكلفته.
في علم النفس الحربي، تُعرف هذه المقاربة بمحاولة “كسر الإرادة الجمعية”، أي دفع المجتمع إلى الوصول إلى مرحلة من الإنهاك النفسي تجعله أكثر استعدادًا للقبول بأي صيغة توقف الألم. وهنا لا يعود المدني مجرد ضحية جانبية للحرب، بل يتحول إلى عنصر أساسي في معادلة الضغط السياسي والنفسي.
الحرب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على احتلال الأرض، بل على السيطرة على الإدراك والخوف والوعي الجماعي. ولذلك كثيرًا ما تستخدم إسرائيل قوة نارية هائلة خلال وقت قصير، في محاولة لإحداث “صدمة استراتيجية” تُربك المجتمع نفسيًا وتخلق شعورًا بالعجز وانعدام الأمان. فالهدف ليس فقط تدمير موقع أو قتل مقاتل، بل إيصال رسالة ذهنية تقول إن أي مواجهة مستقبلية ستقود إلى انهيار شامل في الحياة اليومية.
لكن لبنان بالنسبة لإسرائيل ليس مجرد جبهة عسكرية، بل مساحة هشة ومركبة. فالدولة اللبنانية تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية وسياسية وطائفية عميقة، والمجتمع يعيش مستويات مرتفعة من القلق وعدم الاستقرار. لذلك تراهن إسرائيل على أن التدمير الواسع قد يضاعف الانقسامات الداخلية ويحوّل الضغط الخارجي إلى توتر داخلي بين اللبنانيين أنفسهم.
وهنا يظهر البعد الاجتماعي للحرب. فالعقاب الجماعي لا يهدف فقط إلى إخافة الناس، بل إلى تفكيك الثقة داخل المجتمع نفسه. حين يشعر جزء من اللبنانيين أن الحرب دمّرت حياتهم بسبب خيارات لا يملكون السيطرة عليها، يصبح الانقسام الداخلي جزءًا من النتائج المتوقعة للحرب. ولذلك فإن العقاب الجماعي لا يعمل فقط على مستوى الخسارة المادية، بل على مستوى العلاقات الاجتماعية والوعي الجماعي وإعادة تشكيل المزاج العام.
غير أن الحروب النفسية تحمل دائمًا نتائج معقدة وغير مضمونة. ففي كثير من الأحيان، تؤدي محاولات الإخضاع إلى نتائج معاكسة. فالمجتمع الذي يشعر أنه يُستهدف جماعيًا قد لا ينهار، بل قد يعيد بناء تماسكه الداخلي على أساس الشعور بالخطر المشترك. وفي علم النفس الاجتماعي للحروب، كثيرًا ما يتحول الألم الجماعي إلى عنصر يعزز الهوية الجمعية بدل تفكيكها.
في لبنان، تحولت مشاهد الدمار والنزوح عبر العقود إلى جزء من الذاكرة الوطنية والاجتماعية. الطفل الذي عاش الحرب لا ينسى بسهولة صوت الطائرات أو مشهد النزوح أو خوف والدته في الليل. والعائلات التي خسرت منازلها أو أبناءها لا تتعامل مع الحرب كحدث عابر، بل كتجربة تعيد تشكيل علاقتها بالعالم وبفكرة الأمان نفسها. ولذلك فإن آثار العقاب الجماعي لا تنتهي مع وقف إطلاق النار، بل تستمر داخل الإنسان لسنوات طويلة.
الأطفال الذين يكبرون في بيئات الحرب غالبًا ما يحملون آثارًا نفسية عميقة: القلق المزمن، اضطرابات النوم، الشعور الدائم بالخطر، فقدان الثقة، أو الميل إلى العدائية والانغلاق. والمجتمعات التي تعيش دورات متكررة من العنف تصبح أكثر هشاشة نفسيًا واجتماعيًا، حتى لو بدت متماسكة ظاهريًا. فالحرب لا تدمر الحجر فقط، بل تترك ندوبًا داخل الوعي الجمعي يصعب ترميمها.
ومن هنا، فإن العقاب الجماعي لا يمكن اختزاله بوصفه مجرد “تكتيك عسكري”. إنه جزء من فلسفة أوسع ترى أن إخضاع المجتمع نفسيًا قد يكون أكثر فاعلية من هزيمة المقاتلين ميدانيًا. فحين يُرهق الناس اقتصاديًا ونفسيًا واجتماعيًا، يصبح الهدف هو دفعهم إلى إعادة تعريف أولوياتهم السياسية تحت ضغط الخوف والإنهاك.
لكن التجربة التاريخية في لبنان وغزة أثبتت أن المجتمعات لا تُعاد صياغتها دائمًا وفق ما يريده المنتصر العسكري. فالخوف قد ينتج انهيارًا، لكنه قد ينتج أيضًا غضبًا وتمسكًا بالهوية وشعورًا أعمق بالمظلومية. ولهذا كثيرًا ما تتحول القوة المفرطة إلى عنصر إضافي في إعادة إنتاج الصراع بدل إنهائه.
إسرائيل تراهن في جزء من استراتيجيتها على أن الألم الجماعي سيؤدي في النهاية إلى ردع طويل الأمد، لكن التاريخ يكشف أن الردع المبني على الخوف وحده يبقى هشًا ومؤقتًا. فالمجتمعات التي تعيش تحت القصف لا تنسى، والذاكرة الجماعية التي تتشكل من الدمار والنزوح والخسارة تتحول مع الوقت إلى جزء من الهوية السياسية والنفسية للأجيال القادمة.
وفي النهاية، تبدو سياسة العقاب الجماعي في لبنان وكأنها حرب على الإنسان قبل الأرض، وعلى الوعي قبل الميدان. إنها محاولة لاستخدام الخوف كسلاح، والإنهاك كأداة سياسية، والصدمة الجماعية كوسيلة لإعادة تشكيل المجتمع. غير أن التاريخ الحديث للصراعات يثبت دائمًا أن القوة قادرة على تدمير المدن، لكنها أقل قدرة على السيطرة الكاملة على ذاكرة البشر ومعنى الألم داخلهم. فالمجتمعات قد تُرهق، وقد تنكسر أحيانًا، لكنها كثيرًا ما تعيد إنتاج نفسها من قلب الجراح، لأن الإنسان لا يعيش فقط بما يملكه من قوة مادية، بل أيضًا بما يحمله من ذاكرة وكرامة ومعنى.
شارك هذا الخبر