× الرئيسية مباشر الأقسام فيديو تحميل التطبيق

الثلث المعطل والبيان الوزاري والمراسيم الاشتراعية: خلافات مكتومة تتجاوز توزيع الحقائب

2020-09-17 07:16

من الصحافة

ابراهيم الامين- الأخبار

في العام 2005، أتى الفرنسيون يلعبون دورهم المحبّب في لبنان. كان جاك شيراك مفجوعاً بمقتل رفيق الحريري، لكنه كان قليل الحيلة من جرّاء تحالفه الوثيق مع الاميركيين في مواجهة المقاومة وسوريا في لبنان. تخلت فرنسا عن تمايزها النوعي مع واشنطن حيال الملف العربي، وأبدت ندمها على موقفها المعارض لغزو العراق عام 2003. لكن شيراك كان يعرف أن عليه أن يدفع مسبقا ثمن علاقة جيدة مع الاميركيين. وكان القرار 1559، وهو ما عنى مطابقة استراتيجية فرنسا مع الاستراتيجية الاميركية في الشرق الاوسط. وفي شرقنا الأوسط هناك النفط وإسرائيل. وكل ما عداه سراب بسراب...

وكما كان متوقعاً، فإن فرنسا يمكنها، بموافقة أميركية، استخدام هامشها العائد الى تاريخها الاستعماري في لبنان وسوريا. ظلت المساعي قائمة الى ما بعد خروج شيراك ومجيء نيكولا ساركوزي. كان الأخير يدعم فكرة الاستعانة بـ«الخبرة» السورية في معالجة ملفات لبنان. قصدت باريس دمشق مرات كثيرة في تلك الفترة، لكن الفرنسيين سمعوا يومها، وللمرة الاولى، مَن يقول لهم من قصر المهاجرين: اذهبوا الى لبنان وعالجوا الأمر هناك مع من بيدهم الامر. ومع كل إلحاح فرنسي، كان بشار الأسد يصير أكثر صراحة، حتى حسم لهم الأمر: اذهبوا الى حسن نصر الله!

عن تلك الفترة، روى أحد الخبثاء حكاية افتراضية لشرح مشكلة الفرنسيين مع معالجة التفاصيل اللبنانية. وقال فيها: جاء برنارد كوشنير الى بيروت ودمشق بصفته وزيراً للخارجية. وفي لحظة استمزاج آراء مساعدين، قال له السفير الفرنسي السابق في بيروت برنارد إيمييه: «عندما تذهب الى دمشق، اطلب مقابلة رستم غزالة، واسأله رأيه، لأنني أكاد أفقد عقلي، كما هي حال رفيقي جيفري فيلتمان في غياهب التعاويذ اللبنانية». وشدد إيمييه: «غزالة، ربما هو أكثر الخبراء الأجانب دراية بلبنان وأحواله وأحوال سياسييه». وفي رواية الخبيث نفسه أن كوشنير استأذن في ختام اجتماع بالرئيس الاسد من أجل عقد لقاء مع غزالة، وهذا ما حصل. فبادر «أبو عبدو» الضيف الفرنسي: كيف أموركم مع اللبنانيين؟ ردّ كوشنير: يا أخي، إنهم متعبون للغاية، كل ما يفعلونه هو وضع العصيّ في الدواليب لمنع تحرك عربة الحل. ضحك رستم، وقال: «له... له، لا يسير الأمر على هذا النحو في لبنان، عليكم أن تضعوهم في الدواليب وتضربونهم بالعصيّ!»

غودو لا غورو!

مرّت 15 سنة على التحول الفرنسي الكبير تجاه لبنان. وجاءت تطورات كثيرة، أبرزها انفجار المرفأ في 4 آب الماضي، لتفتح الباب من جديد أمام استئناف فرنسا حبّها التاريخي للبنان. هذه المرة، بدا إيمانويل ماكرون الشاب هو من يتولى مهمة الأم الحنون. لكن الرجل عاد بما تعلمه في المدرسة الفرنسية حول كيفية التعامل مع أبناء المستعمرات القديمة. لكن كان من المفترض بمساعديه أو بمن يبحث عن إعادة الاعتبار الى دور حقيقي لفرنسا في منطقتنا، أن يفهم أن المسألة عندنا هي أن الناس في انتظار غودو، وليست في انتظار غورو. لكن ماكرون، قرر ارتداء ثياب جنرال الاحتلال الذي يحبّه لبنانيون لأنه أعلن لهم عن لبنانهم الكبير.

وكغورو، لغته لغة ضابط الاحتلال والحاكم العسكري. مقارباته للمسائل تتعلق فقط بمصالح بلاده أولاً، ويتعامل مع الآخرين على أنهم دونه مكانة وقدرة وفهماً. وهذا ما ميّز كل اللغة التي استخدمها ماكرون في كل اجتماعاته خلال الزيارتين الى بيروت، اللهم ما عدا اجتماعه مع السيدة فيروز، حيث لا يمكنه ذلك، بل كان في موقع المستمع أيضاً مع سيدة اشتهرت بصمتها عن الأمور العامة.

عندما جاء ماكرون، كان فريقه المساعد يحتوي على مجموعة من الذين ينظر اليهم على أنهم «خبراء لبنان» في الادارة الفرنسية. الخارجية التي نقلت أدوارها وملفاتها الى قصر الرئاسة، تولي الامر الى من سبق لهم أن خدموا في لبنان. ويقف في مقدمة هؤلاء الآن، السفير السابق في بيروت إيمانويل بون. وفي الخليّة نفسها، يجلس برنارد إيمييه، بصفتين متلازمتين: سفير سابق وخبير يفترض أنه محلّف في الشأن اللبناني، ورئيس المخابرات الخارجية التي تدرس ملفات الشرق الاوسط بدقة هذه الايام، وحيث يقع لبنان في قلب المشهد. وبروتوكولياً، يكون هناك مقعد دائم لسفارة فرنسا في بيروت، ويشغله الآن السفير برونو فوشيه المفترض أن يغادر بيروت نهاية هذا الشهر الى منصب آخر، لتحل مكانه السفيرة الفرنسية السابقة في المكسيك آن غريو، التي يبدو أنها حصلت على تزكية خاصة من إيمانويل بون لتولي هذا المنصب (بالمناسبة، هي سيدة في العقد السادس من العمر، لكنها تخفي تاريخ ميلادها، كما تخفي أسماء أفراد عائلتها المنحدرة من مرسيليا في فرنسا). وهي ستصل مطلع الشهر المقبل، وتعمل الآن على مراجعة كل الملفات الخاصة بالأزمة اللبنانية، وتطلع بشكل رسمي وغير رسمي على تفاصيل ما يحصل.

في خلية الأزمة اللبنانية مقعد أو اكثر، يُدعى اليه من يتعامل مع ملف محدد من الملفات المطروحة في لبنان. من هؤلاء النائب الفرنسي غويندال رويارد، السياسي الشاب الداعم لماكرون، والقريب جداً من وزير الخارجية جان إيف لودريان، وهو متزوج من اللبنانية جويل بو عبود، التي عملت كمحامية للرئيس أمين الجميل أيضاً. وللرجل علاقاته اللبنانية الواسعة، وهو دائم الزيارة لبيروت بصورة رسمية أو شخصية. كذلك هناك شريك مهم في «خلية لبنان» هو بيار دوكان، الذي منح اليوم صفة رسمية تثبته سفيراً خاصاً بتنسيق المساعدات الخارجية للبنان، وهو أمر يتجاوز إطار مؤتمر «سيدر»، ويعطيه مساحة إضافية في متابعة مؤتمر تشرين المقبل الخاص بمانحين يفترض أن يقدموا «مساعدات عاجلة غير مشروطة» لضحايا انفجار 4 آب، تبدأ من العلاج الطارئ للضحايا الذين باتوا خارج بيوتهم ومدارسهم وأعمالهم، وتتِمّته توفير حاجات إعادة إعمار ما دمّره الانفجار، وصولاً الى إعادة بناء المرفأ نفسه.

الإذن الأميركي

قيل الكثير عن الاتصالات الفرنسية مع الأميركيين بشأن المبادرة في لبنان. وما كشفته اتصالات وتصريحات الأسبوعين الماضيين، دلّ على تمايز ظلّ محصوراً في طريقة المقاربة، ولم يدل على تناقض في جوهر المهمة. الاميركيون لا يمانعون تحركاً فرنسياً شرط أن لا يتحول إلى تغطية لدور حزب الله ونفوذه. وفرنسا تقول إن العمل في مسرح بيروت، لا يكون مفيداً ولا آمناً من دون تفاهم مع «الطرف الأقوى»، أي حزب الله. وفي بيروت، لم تحصل أي مفاجأة، ذلك أن اللاعبين البارزين يتصرفون على هذا الاساس. هم لا يمانعون أي صفقة مع حزب الله، لكنهم، يريدونه محايداً في صراعاتهم، وهذا هو جوهر اعتراض سعد الحريري وسمير جعجع ووليد جنبلاط، وحتى نبيه بري، حيث يشكو هؤلاء من كون الحزب يوفر أكبر مظلة للتيار الوطني الحر والرئيس ميشال عون والنائب جبران باسيل. وهو لا يبتعد عن عون إلا في حال كان الخطر محدقاً ببري.

ثمة من توقع أن ماكرون سيواجه مشكلة مع مجموعات الحراك الرافضة للمقاومة فكرة ودوراً وسلاحاً. لكن تبيّن أن الرئيس الفرنسي يعرف هذه المجموعات أباً عن جد، ويعرف مكانتهم أيضاً. عدا عن كون مبادرته استندت في جانب منها الى تفاهمه مع الاميركيين على أن مجموعات الحراك هذه، فشلت في تشكيل بديل حقيقي قادر على الإمساك بالسلطة. ولذلك، لم تكن فرنسا تدعم انتخابات نيابية مبكرة، بل قال الفرنسيون للمطالبين بهذه الانتخابات، إن النتيجة ستكون محسومة من الآن، لجهة أن الغلبة في المجلس النيابي ستبقى بأيدي القوى الكبيرة الموجودة حالياً.

ماكرون جاء مستعجلاً على قاعدة أن هناك فرصة لتثبيت دور خاص يتقدم على الآخرين. وهاجسه منع الاميركيين من محاولة إبعاد فرنسا عن القرارات الاساسية الخاصة بلبنان، كما هاجسه إعادة اقتحام المؤسسات اللبنانية الاساسية. فهو يعرف مثلاً أن الجيش اللبناني أقرب الى الاميركيين من فرنسا، وقوى الامن الداخلي تهتم بعلاقات مع جميع الدول ولا تخص فرنسا بشيء خاص. أما المؤسسات المالية والنقدية فهي مهتمة بالرعاية الاميركية والمال الخليجي، وفرنسا مكان استجمام لا أكثر. وحتى مشاريع البنى التحتية لم تكن فرنسا يوماً في موقع المنافس الجدي. فكيف، والحالة الثقافية في لبنان تتجه بعيداً عن الفرنسيين، حتى أصاب الوهن غالبية المؤسسات الثقافية والتربوية المتصلة بفرنسا أو بعالم الناطقين بالفرنسية.

مَن يكذب على مَن؟

عندما حضر ماكرون، سعى كثيرون إلى معرفة حقيقة الموقف الأميركي من مبادرته، وخصوصاً بعد الاحتجاجات العلنية لحلفاء أميركا من العرب، ولا سيما السعودية التي ترفض أي مبادرة تكون نتيجتها عودة سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة أو تجديد التفاهم مع عون وحزب الله. لكن ماكرون ألقى بالكثير من القنابل الدخانية، مستغلاً مواهبه الاستعراضية وشغف اللبنانيين بالكرواسان الفرنسي. ولكن، ما إن دنت ساعة الحقيقة والعمل المباشر، حتى عدّل ماكرون في جلسته، حكّ حنجرته ونظر إلى الجالسين، أخذ نفَساً عميقاً ثم قال: لا بدّ من التوافق!

عند هذه النقطة، باشر ماكرون الترويج لتفاهم سياسي بين القوى البارزة من أجل المرحلة الانتقالية. وهو وجد لها عنواناً اختصره بـ«مهمة إنقاذ عاجلة». ولأنه يريد تثبيت نتائج، قال للجميع في لبنان والخارج، إن تفاهماً سياسياً عاماً يشكّل معبراً إلزامياً نحو المرحلة المقبلة. وهنا، بدأت التناقضات تظهر. قال ماكرون بحكومة الوحدة الوطنية، لكنه عاد ليشرح أنه قال بحكومة تحظى بدعم وطني، ثم تراجع إلى الخلف قليلاً بحديث عن حكومة توافق عليها القوى السياسية كافة، ليتراجع بقوله إن هناك حاجة الى حكومة تحظى بتوافق ودعم القوى البارزة أو غالبية القوى لا كلها، مطيحاً موقف «القوات اللبنانية» وجماعات 14 آذار المستقلين، ومبرراً ذلك بأنه يمثّل هؤلاء أصلاً، وعدم حضورهم الآن لن يعطل التسوية. بينما عاد وكرر لمجموعات ناشطة في الحراك أن نصيبهم محفوظ في التركيبة الحكومية، ورهانه هنا على لائحة مرشحين لتولي الحقائب الوزارية، تشتمل أساساً على كل الذين يعتبرون أنفسهم الممثلين الجدد للشعب الثائر في الساحات!

هذه القاعدة أسست لتفاهم سياسي واسع. الجميع كان قليل الحيلة، ولا مجال لمعارضة منهجية. حتى حزب الله، الذي يضحك بسرّه حيال «حفلة التكاذب» القائمة، لم يكن بمقدوره اتخاذ موقف معارض أو شديد التدقيق. لكنه كان مهتماً بوضع خط أحمر حيال ما لا يقبله. وهذا ما قام به ماكرون أصلاً، عندما قال إن ملف العلاقات الخارجية وسلاح المقاومة ليسا مدرجين على جدول الأعمال. لكن ماكرون كذب بشأن الانتخابات النيابية، لأن المشاورات السابقة على اجتماعاته أوضحت له أن في لبنان كثيرين لا يريدون الانتخابات المبكرة، لكنهم لن يصرّحوا بذلك، بينما حزب الله يمكنه قول الأمر صراحة. وهو أمر ثبّته رجال ماكرون قبل أن يعود هو ويطرحه على طاولة الاجتماع مع ممثلي القوى السياسية في قصر الصنوبر حين طلب النائب محمد رعد الكلام، مسجلاً الاعتراض على بند الانتخابات النيابية الوارد في ورقة ماكرون.

شراكة وهمية

عند هذا الحد، كان الجميع يسير في المركب بشكل عادي. وتولى الفرنسيون بعدها إدارة عملية الترشيحات الخاصة برئاسة الحكومة. هم كانوا - ولا يزالون - يريدون عودة سعد الحريري إلى المنصب. لكن للرجل مشكلاته الكثيرة، وثمة احتمال بأن تبرز مشكلة كبيرة في الشارع اللبناني من جهة، وخشية من دور تخريبي أكبر تقوم به السعودية وأطراف أخرى في حال فرض الحريري. لكن فرنسا هي من تولّت إخراج أرنب مصطفى أديب. وكل كلام عمّن طرح الاسم ومن رفعه ومن درس ملفه ومن اختاره ومن سوّقه، كلام غير مهم. فرنسا، تولّت تثبيت مصطفى أديب رئيساً لـ«حكومة المهمة».

لكن الكذبة أو التشاطر بدأ بعد ساعات قليلة من تكليف أديب. إذ تبيّن أن الفرنسيّين متفاهمون مع الرئيس سعد الحريري وآخرين، سواء في نادي رؤساء الحكومة أو «منظمات مدنية» ذات حضور عالمي على تأليف الحكومة وفق قواعد لا تتطابق مطلقاً مع تفاهم قصر الصنوبر. لا أحد يعرف كيف قرر مصطفى أديب أنه حصل على تفويض إلهي بتأليف الحكومة من دون مشاورة أحد، علماً بأنه يشاور الحريري أو يسمع من الحريري - ومن مجلس إدارة نقابة رؤساء الحكومة السابقين - التعليمات بشأن توزيع الحقائب وعدد الوزراء، وتالياً الأسماء، وصار الفريق المساعد للرؤساء السابقين، وهم بأنفسهم، يتواصلون مع هذه الشخصية أو تلك ويعرضون عليها المناصب الوزارية. وهطلت اللوائح على أعضاء خليّة لبنان في فرنسا، من السفارة في بيروت التي فضّل بارزون فيها وقف عقد الاجتماعات مع الشخصيات اللبنانية (لا يتوقف هاتف السفارة والدبلوماسيين عن الرنين طلباً للمواعيد)، بينما توزع «لبنانيّو باريس» بقوة على أكثر من جبهة عارضين اسم فلان أو فلانة لهذا المنصب أو ذاك.

وجرى الترويج بأن فرنسا قررت أن تحتفظ لمقرّبين منها بوزارات أساسية تشمل الطاقة والأشغال والاتصالات والمالية والعدل، وهي ستوزع بقية الحقائب على آخرين، على أن تختار هي الأسماء. لكن ما تقدّم لم يكن دقيقاً، لأن الذين يختارون هم في الحقيقة مشتركون بين فرنسيين وبين أعضاء نقابة رؤساء الحكومة. ولم يهتم هؤلاء للإهانة التي يلحقونها بأديب عندما ينسبون أمر توزيع الحقائب واختيار شاغليها إليه وإلى فريق عمله، علماً بأن أديب ليس عنده فريق ولا من يحزنون، وكل ما حصل عليه، هو تكليف الدبلوماسي علي قرانوح (مستشار في وزارة الخارجية وعمل قنصلاً في جدة) بإدارة مكتبه. والأخير متدرج في العمل السياسي، قريب من سعد الحريري، لكن ليس عنده حول ولا قوة في الشأن السياسي الداخلي.

في المفاوضات على التأليف، ظلّت هناك قطب مخفيّة تتعلق بصراعات الفريق نفسه حول المقاعد والمرشحين، لكن اللغم الأبرز انفجر، عندما اكتملت الصورة الأولى، وتقرر فرض (لا عرض) التشكيلة على الآخرين. كان عون قد ملّ انتظار أديب، وكان عون ومعه بري وحزب الله وآخرون على وشك فقدان صبرهم إزاء لامبالاة أديب ورؤسائه حيال التشاور. لكن غضبهم كان مركّزاً على فرنسا، باعتبارها الوصية والمسؤولة عن إدارة الملف. والكل يعرف أن الوقت لم يتأخر حتى تبلّغت فرنسا احتجاج هؤلاء جميعاً على ما حصل. وكان لا بد من إشهار الاعتراض.

خلال الأيام السبعة الأولى من عمر تكليف أديب، كان جميع من يقف إلى جانبه وإلى جانب الفرنسيين، يعتقد بأن الآخرين لا حول لهم ولا قوة، وأنهم سيقبلون، صاغرين شاكرين، بالوصفة التي تعرضها فرنسا عليهم. وفي كل مرة يسمعون فيها احتجاجاً، ولو بصوت خافت، كانوا يرفعون هم سيف فرنسا، قبل أن يلجأوا الى سيف العقوبات الذي استلّه الأميركيون في لحظة اعتبروها مناسبة لجعل المبادرة الفرنسية لا تذهب بعيداً في التفاهم مع حزب الله. واعتقد أصحاب هذه الآراء أن ما حصل سيحاصر المعترضين في بيروت، وأن حكومة الأمر الواقع ستمرّ بسرعة.

لكن ما لم يكن في الحسبان، ليس ردة فعل الثنائي الشيعي على العقوبات الأميركية بحقّ علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، بل في كون الجميع شعر بالخدعة الفرنسية. وهنا، بدأت المواقف الفعلية تظهر، وبدأ الحديث عن تباينات جدية حتى داخل خلية الأزمة الفرنسية. في بيروت، شنّت حملة على السفير فوشيه، باعتباره «مروّجاً للتسوية والتطبيع مع حزب الله»، وصار البعض يتندّر بأنه جُنِّد منذ أن خدم في السفارة الفرنسية في إيران. بينما كان إيمانويل بون في باريس يضع العلامات على هذا المرشح أو ذاك، ويعطي أذنه – كما العادة – إلى أصدقائه من «لبنانيّي 14 آذار وتوابعها»، من سياسيين ورجال مال وأعمال وإعلام أيضاً. أما فرقة الاستخبارات الخارجية فبدا موقفها محيّراً، فهي من جهة تعرف الوقائع أكثر من غيرها، لكنها لا تحرّك ساكناً بصورة جدية، ما عدا الشعور القوي لدى رئيسها برنار إيمييه، بضروة تدخله شخصياً حتى لا تنفجر المبادرة الفرنسية كلها، وهو ما حفّزه على مطالبة الرئيس ماكرون بأن يوفده هو شخصياً إلى بيروت لتدوير الزوايا وإعادة وصل ما انقطع مع الآخرين.

قوانين ملحّة ومراسيم اشتراعية

ربما غرق الجميع في الحديث عن مشكلة وزارة المالية. صحيح أن الثنائي الشيعي كان صريحاً في مطالبته بإسناد حقيبة المالية الى مرشح يعرضه هو من ضمن لائحة تضم أكثر من اختصاصي مفترض، لكن جوهر الملاحظات يتعلق بموقف يتجاوز الثنائي الى الآخرين. ذلك أن الأسئلة الاساسية حول «حكومة المهمة» تركزت على الآتي:

حجم الحكومة وطريقة توزيع الحقائب.

من يملك حق الفيتو وبالتالي الثلث المعطل فيها؟

ما هو بيانها الوزاري وما هو إطار علاقتها مع المجلس النيابي؟

الواضح أن بند حقيبة المالية كُتب في رأس صفحة الاعتراضات. لكن المناقشات الفعلية ركزت على البندين الآخرين، لأن الاعتراض تجاوز عدم حصول تشاور سياسي حول تأليف الحكومة. بل لمس حد تحديد صاحب حق الفيتو. ومن المفيد هنا الاشارة الى أن الفرنسيين يسعون (في الساعات الأخيرة وسيستمرون في الساعات المقبلة) الى عرض صفقة جديدة، تقوم على تقديم ضمانات للقوى المعترضة بشأن الثلث المعطل وبشأن البيان الوزاري أيضاً. وهذا الأمر يعرف الفرنسيون جيداً أنه المعبر الإلزامي لأي حكومة قادرة على الحياة، ولو لأسابيع.

أما البند المتعلق بالترشيحات، فإن في فرنسا مَن أدرك أنّ في لبنان مَن يعلم تفصيلاً كيف تتم الترشيحات، ومن يطرح اسم فلان واسم آخر، وكيف تتم عملية توضيب مرشّح ما قبل تحويله الى خبير واختصاصي ومستقل، وبالتالي، فإنه يصعب على الفرنسيين أولاً، ثم على الآخرين من نقابة رؤساء الحكومات ثانياً، التعامل بخفة والقول بأن من يختاره سعد الحريري أو فؤاد السنيورة أو نجيب ميقاتي، أو حتى كميل أبو سليمان أو أنطون الصحناوي يمكن اعتباره مستقلاً أو محايداً.

أما بشأن المجلس النيابي، فثمة مشكلة من نوع آخر، وسببها تم شرحه في لقاء مع أبرز المسؤولين الفرنسيين عن الملف الاداري والاقتصادي والقانوني الخاص بلبنان، وهو لخص الامر بالتالي:

إن حكومة المهمة تحتاج الى تفويض جدي حتى تقدر على القيام بعملها. والمسألة لا تتوقف عند طريقة تأليفها أو الانسجام داخلها، بل في كون عملها سيكون مقتصراً على معالجة آثار الانفجار الكبير من جهة، وعلى إعادة الاعتبار الى دور مؤسسات الدولة من خلال وضع قانون للمحاسبة والشفافية، وأن يصار الى إقرار سلسلة من القوانين العاجلة، تضمنتها خارطة الطريق المعدّة من قبل فريق ماكرون، وهي تستند الى كون الإجراءات المطلوبة من لبنان تستند أساساً إلى ما طلبه صندوق النقد الدولي من أجل التوصل الى اتفاق عاجل يسمح بإقراض لبنان مبلغاً كبيراً من المال، وهي الخطوة الإلزامية للسير مجدداً بمؤتمر «سيدر» وتأمين المبالغ المطلوبة. وهذه القوانين تركز على إقرار الـ«كابيتال كونترول» وقانون «الشراء العام» وقانون ضمان «استقلالية القضاء» والسير برزمة الحلول الخاصة بـ«الأزمات المصرفية». ويقول المسؤول الفرنسي البارز إن قانون الشراء العام جرى الإعداد له في لبنان بصورة جيدة، وإن رئيس لجنة المال والموازنة النيابية إبراهيم كنعان يقول إنه صار جاهزاً للإقرار، وباريس تسأل عن سبب عدم إقراره إلى الآن. وهو حال القانون الخاص باستقلالية القضاء الذي يقول الفرنسيون إنهم أُبلِغوا بأنه جاهز منذ سنة ونصف سنة، لكنه لم يُقَر بعد.

لكن اهتمام باريس مركّز أيضاً على ما يخص الأزمات المصرفية، وهي ترى أن القوانين الخاصة بها شرط مسبق لصندوق النقد الدولي، وهي ضرورة لإنقاذ القطاع المصرفي، وأنه يجب إعداد إطار وقانون عام يسمح بالتمييز بين المصارف القادرة على الاستمرار والتي يمكن إنقاذها، وتلك التي لا حول لها ولا داعي لصرف الجهد عليها. ويقول الفرنسيون إنهم يريدون قانوناً واضحاً لا يخضع لابتزاز السياسيين ولا لتدخلات المصرفيين، وإن ذلك يتطلب قانوناً يضمن المساواة في المعاملة حتى لا تقع كل المصارف دفعة واحدة، ويطلب الفرنسيون تجنّب صيغة الحلول التي يعتمدها حاكم مصرف لبنان والقائمة على نظرية أنه يجب معالجة «كل حالة على حدة». ويصف المسؤول الفرنسي معالجات سلامة بأنها «حلول خاصة تخرج من القبعة، مثل تعاميم الحاكم الأخيرة الخاصة بمعالجة حجم الاحتياطات الإلزامية للمصارف».

وعند هذا الحد، يتوقف الفرنسيون أمام السؤال - الأزمة: هل هناك آلية تضمن إقرار هذه القوانين، أم هناك حاجة إلى الذهاب نحو المراسيم الاشتراعية، ما يعني المطالبة بمنح الحكومة صلاحيات استثنائية محددة في نقاط معينة تخص هذه الملفات؟

الفرنسيون يقرّون بصعوبة منح الحكومة صلاحيات استثنائية، ويعرفون أن ذلك يُنهي دور مجلس النواب، ويفتح لبنان على مشكلات أكبر، لكنهم يسألون عن علاج فعال، وهو لن يكون فعالاً إذا بقي تحت رحمة تحالف السياسيين مع بعض رجال المال والأعمال، بما في ذلك مع رياض سلامة. وهنا يتحدث المسؤول الفرنسي عن ملف التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان، ويذكّر بأن من يطرح التحقيق الجنائي إنما يكون هدفه كشف التلاعب الذي كان يحصل، وأن تراجع لبنان عن خيار اعتماد شركة «كرول» كان خطأً فادحاً، لأنها تملك القدرة والخبرة، بينما الشركات الجديدة المكلفة لا تزال خبرتها محدودة جداً.

يعتقد الفرنسيون أن مصرف لبنان في حالة إفلاس، لكن التدقيق يجب أن يحسم هذه النقطة، ومن المهم معرفة هذه النقطة حتى يصار إلى تحديد الخطوات التالية، بعيداً عن الاعتبارات السياسية، ويشيرون هنا الى مثال ملف الكهرباء، ويقول المسؤول: كل الخبراء يقولون إنه لا حاجة الى ثلاثة معامل للكهرباء، لكن من الواضح بالنسبة إلينا، أن مطلب معمل سلعاتا خلفيته سياسية فقط، وهذا أمر يجب منعه، كما هي حال إدارة المناقضات والصفقات العامة.




المصدر : الأخبار






elsiyasa.lb [email protected]

developed by TRINITY TECH

Contact us on [email protected]
Copyright 2018 © - Elsiyasa