«انتفاضة كرامة» لقضاة لبنان والسلطة السياسية... خلف القضبان

29/08/2022 07:26AM

جاء في الراي "الكويتية": 

أن يَضْرب الجسمُ القضائي بمطرقته في وجه السلطة السياسية في لبنان، فهذه «انتفاضة» بأبعاد عميقة تختزل «كل الحكاية» في بلدٍ تكاد الأزمات التي «تكوي» شعبَه أن «تلوي» حتى قوس العدالة.

قبل نحو أسبوعين، «انفجر» قضاة لبنان بعدما وجدوا أنفسهم بين مطرقة التشظيات المتدحرجة للانهيار المالي التي أصابتْهم في «كرامتهم»، وسندان تدخلات سياسية في عمل واحدةٍ من السلطات الدستورية الثلاث (إلى جانب التشريعية والتنفيذية) والتي لاتزال استقلاليتها... حلماً على ورق.


وفي حيثيات الإضراب المفتوح الذي أعلنه نحو 400 قاضٍ في لبنان (من أصل 550) كما في الغطاء غير المسبوق الذي وفّره مجلس القضاء الأعلى قبل أيام لهبّة «الروبات السود»، وضْعٌ مباشر للإصبع على «مكمن الداء» المزدوج:

- الانهيار المتوحّش ومن نتائجه «أننا نحن القضاة لم يعد بمقدورنا الوصول إلى المحاكم المظلمة الموحشة كي نقوم بعملنا، فالحكم بالعدل يتطلب صفاءً ذهنيّاً ومعنويّاً أمعنتم في إفقادنا إياه (...) وراتب القاضي الأصيل الذي أمضى في الخدمة ما يقارب الأربعين عاماً لا يتجاوز الثمانية ملايين ليرة لبنانية».

- وربْط سبب تردي الأوضاع القضائية بصورة أساسية بـ «عدم إقرار قانون استقلال السلطة القضائية»، و«الرغبة المتعطشة لتقويض القضاء وإخضاعه وإذلاله على الدوام، وعدم وجود إرادة حقيقية لقيام قضاء قادر غير عاجز».

ورغم أنها ليست المرة الأولى يلجأ فيها القضاة للاعتكاف، حيث سبق أن أعلنوا الاضراب في مايو الماضي لمدة أسبوع كامل «رفضاً لاضمحلال الكرامة القضائية على الأصعدة كافة»، إلا أن ما يميز الاضراب المفتوح الحالي أنه دون سقف زمني محدد، فضلاً عن أنه شكل نقطة التقاء وشبه إجماع بين غالبية القضاة.

ويشرح الرئيس السابق لمجلس شورى الدولة القاضي شكري صادر لـ «الراي»، معاناة القضاة التي دفعتهم لإعلان الاضراب، فيشير إلى أنه «منذ بداية الانهيار الاقتصادي عام 2019، انخفض راتب القاضي الذي كان بمعدل 4 ملايين ليرة ونصف أي 3 آلاف دولار (وفق السعر الرسمي للدولار على 1500 ليرة) إلى نحو 110 دولارات مع الانخفاض المتواصل لسعر صرف الليرة (نحو 33 ألفاً لكل دولار)، وهذا المبلغ لا يغطي كلفة النقل التي يتكبدها القاضي بين منزله ومكان عمله فضلاً عن بقية مُتطلبات الحياة».

وأضاف: «رغم ذلك استمر القضاة في مهامهم وحاولوا رفع الصوت مراراً وايصال الصوت للسلطتين التشريعية والتنفيذية من خلال إرسال مندوبين عنهم للقاء المسؤولين».

ولفت إلى أن «القضاة يعانون كذلك ظروق العمل الصعبة في ظل انقطاع الكهرباء والمياه في قصور العدل، وتراكم النفايات بعد انسحاب المتعهد المكلف بالتزام التنظيفات».

محاولة معالجة الأزمة

وفي محاولة لمعالجة هذه المعضلة التي خرج معها القضاء «من الخدمة» والتي تتقاسم المشهدَ الداخلي مع أزمتيْ التشكيل المعلّق للحكومة الجديدة والانتخابات الرئاسية التي يبقى الفراغُ المرشّحَ الأوفر حظاً فيها، عقد وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال هنري الخوري اجتماعاً مع رؤساء الهيئات القضائية، وقال «نحن بانتظار مرسوم السلفة التي تم تحويلها والبالغة 35 مليار ليرة من احتياط الموازنة، وعلى ضوء تحصيل هذا المبلغ من الخزينة وإيداعه في عهدة صندوق تعاضد القضاة، نأمل أن تتحسن الأمور ويتمكن القضاء من العودة الى عمله المعتاد».

انعكاس الاضراب على المواطنين

من ناحيتها، تؤكد المحامية داليا شحادة لـ «الراي» أن «اضراب القضاة سيؤثر سلباً على سير العدالة وعلى المواطنين الذين لديهم قضايا في المحاكم لأن حقوق هؤلاء متأثرة بالأساس بإقفال المحاكم مراراً وتكراراً في الأعوام الأخيرة لأسباب راوحت بين الإغلاق بسبب كورونا أو إضراب موظفي الإدارات العامة أو بفعل الظروف الأمنية التي رافقت ثورة 17 أكتوبر 2019».

وأضافت: «كل ذلك أثر على حقوق المواطنين وسير المرفق القضائي خلال الأعوام الماضية، ويشي إضراب القضاة الحالي الذي يبدو أشدّ من أي إضراب سابق بأن تأثيره سيكون أكبر. فعلى سبيل المثال، في النيابة العامة في بيروت يمتنع القاضي عن امضاء أذونات لزيارة الموقوفين».

ورغم ذلك، تشدد شحادة على أن «اضراب القضاة قانونيّ، إذ إن الدستور كفل لجميع المواطنين الحق في التجمع والتظاهر والاحتجاج، وبالتالي لا يمكن حرمان هذا الحق للقضاة ما داموا لا يملكون أي وسيلة أخرى».

وتلفت إلى أن «من يتحمل المسؤولية هي السلطة التنفيذية المسؤولة عن اتخاذ القرارات المتعلقة برواتب القطاع العام وتحسينها، فهذه السلطة وعدت القضاة والمساعدين القضائيين باحتساب الرواتب وفق سعر صرف يوازي 8 آلاف ليرة للدولار الواحد من دون أن تفي بوعدها».

كما تشير إلى أن «اعتكاف القضاة غير مرتبط فقط بتحسين رواتبهم أو عدم الايفاء بالوعود التي قُطعت لهم، وإنما كذلك بسبب فداحة الظروف المحيطة بالمحاكم، من انقطاع الكهرباء وعدم وجود أوراق أو قرطاسية أو أي من المقومات التي يحتاجونها للعمل. حتّى أن بعض المحاكم وصلت لمرحلة أن يتبرع أهالي المنطقة بتأمين الكهرباء لمدة ساعتين».

غياب الرؤية

إضراب القضاة ليس وحيداً، فهو يأتي ضمن سلسلة من الإضرابات التي تشهدها مختلف القطاعات في لبنان. ووفقاً لصادر فإن «الأزمة تكمن في أننا نعيش في دولة لا تملك أي خطة لمواجهة كل هذه المشاكل، فمنذ أزمة النفايات عام 2013 لم تتمكن السلطة السياسية من معالجة أي مشكلة، وهذه السلطة لا تملك رؤية اقتصادية ولا تربوية ولا على أي صعيد».

وأضاف: «اليوم نشهد على انهيار مؤسسات الدولة وإداراتها، ويكفي أن نُشير إلى أن هناك 57 في المئة من الموظفين يشكلون العمود الفقري للإدارة قدموا استقالاتهم بسبب تدني قيمة الأجور والرواتب لنعرف حجم الخطر الذي نواجهه».


المصدر : الراي الكويتية

شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected] | +96176111721
Copyright 2023 © - Elsiyasa