التلاقي السعودي-الفرنسي رئاسياً.. يفترق بين الطائف و"العقد الجديد"؟

23/09/2022 06:34AM

كتب منير الربيع في "المدن": 

شكّل البيان السعودي الأميركي الفرنسي المشترك حول لبنان، صورة عن وجود اهتمام مستمر بالملف اللبناني. يحتوي البيان على جملة نقاط لا بد من وضعها في خانة الثوابت في المواقف المبدئية والديبلوماسية.

ترتكز الثوابت على ضرورة إنجاز الاستحقاقات في مواعيدها أولاً، من خلال تشكيل الحكومة. وثانياً من خلال انتخاب رئيس للجمهورية في الموعد المحدد. أما الثالث والأهم فهو الالتزام باتفاق الطائف وتطبيق الدستور. ومن لزوم المواقف المتكررة أيضاً تشديد على ضرورة إنجاز الإصلاحات الاقتصادية اللازمة.

أما المواصفات التي يتضمنها البيان فهي واضحة أيضاً. إذ يشير إلى أن يكون الرئيس المنتخب قادراً على التعامل مع الجهات المؤثرة إقليمياً ودولياً. وهو موقف فيه رمزية ضمنية حول رفض انتخاب رئيس محسوب على طرف دون الآخر، ولا أن يكون معزولاً دولياً، أي أن يحظى بحدّ أدنى من التوافق الإقليمي والدولي.

المواصفات والاختلافات

عملياً، يعكس البيان ما جرى التداول به في اللقاء الفرنسي السعودي المشترك الذي عقد في العاصمة الفرنسية باريس، في الأسبوع الأول من شهر أيلول. فيه حصل اختلاف في وجهات النظر، إذ أن الفرنسيين شددوا على ضرورة انتخاب رئيس للجمهورية في الموعد الدستوري المحدد، بغض النظر عن شخصية الرئيس وهويته السياسية. هذا أمر رفضه السعوديون الذين اعتبروا أن لبنان بحاجة إلى شخصيات موثوق بها، غير متورطة بملفات فساد، وغير محسوبة على محور سياسي، وتتمتع بعلاقات سياسية جيدة مع دول الإقليم والمنطقة ومع المجتمع الدولي. لذلك وردت في البيان عبارة انتخاب رئيس في الموعد الدستوري وأضيف إليها الموقف السعودي حول مواصفات الرئيس. وهو ما سيستكمل بحثه في لقاء فرنسي سعودي آخر سيعقد في الأسبوع الأول من تشرين الأول.

سيرة "المبادرة الفرنسية"

على الرغم من التنسيق السعودي الفرنسي المشترك، إلا أن هناك اختلافاً في وجهات النظر بين الطرفين. هناك اختلاف في مقاربة ملف حزب الله. كما أن الاختلاف يعود إلى لحظة إطلاق المبادرة الفرنسية بعيد تفجير مرفأ بيروت. في حينها، جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الزعماء اللبنانيين في قصر الصنوبر. وضع بنود المبادرة أمامهم. أُعلنت الموافقة عليها، فيما اعترض رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد على نسبة 10 بالمئة منها. وهي الانتخابات النيابية المبكرة. توهّم الفرنسيون حينها قدرتهم على تمرير المبادرة. حاول السفير الفرنسي السابق برونو فوشيه تسويق هذه المبادرة لدى السفير السعودي وليد البخاري. في حينها، لم تكن الديبلوماسية السعودية مقتنعة بجدوى هذه المبادرة، وقال البخاري لفوشيه إن مبادرتكم ناقصة وبمجرد ارتضيتم شطب 10 بالمئة منها، فهذه ستكون مقدمة إلى الإطاحة بها كلياً. وهذا ما حصل فيما بعد، من تجربة مصطفى أديب إلى التنازلات الفرنسية عن مبدأ المداورة في تشكيل الحكومة، والضغط على سعد الحريري للموافقة على منح وزارة المال للطائفة الشيعية مجدداً. وتوالت التراجعات الفرنسية إلى حدّ حصر مهمة سعد الحريري بتشكيل الحكومة بضرورة عقده لقاءً مع جبران باسيل في باريس. كل هذه الآلية وصلت إلى طريق مسدود. فيما بعد، رست المعادلة على نجيب ميقاتي، بينما كان الفرنسيون يتمسكون بمبدأ تشكيل حكومة تكنوقراط وغيرها. فمن اللحظة الأولى للمبادرة الفرنسية، كان هناك رغبة لدى بعض المسؤولين في باريس بتكليف ميقاتي بها.

الطائف وغيره

لم تنجح حكومة ميقاتي بالقيام بما يتوجب عليها، في محاكاة مشابهة لتجربة الفرنسيين في منح الغطاء لحكومة حسان دياب. بعد الانتخابات النيابية، تمسّك الفرنسيون أيضاً بتكليف نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة، وضغطوا في كل الاتجاهات بسبيل ذلك، ووصل بهم الأمر إلى تهديد بعض السياسيين ورؤساء الكتل بالتعرض لعقوبات، إذا لم يوافقوا على السير بميقاتي. وهذا ما لاقى اعتراضاً داخلياً وخارجياً أيضاً حول طريقة إدارة الملف. فيما كان يظهر وجود تقارب سعودي أميركي حول الموقف من الملف اللبناني.

ليست هذه الخلافات التفصيلية وحدها قائمة في العلاقة بين السعودية وفرنسا. ثمة خلاف أساسي، محاولات تبديده مستمرة في كل لقاء أو بيان، وهو الالتزام باتفاق الطائف الذي تتمسك به الرياض، كنوع من الردّ على كل الكلام المثار حول عقد اجتماعي جديد، الذي تحدث عنه ماكرون خلال زيارته إلى بيروت، أو كلام آخر يرتبط يرتبط بالبحث عن تطوير النظام أو تعديل الدستور، بما يتوافق مع موازين القوى السياسية الجديدة.

حتماً لا يمكن الاستناد على بيان صادر عن دول كبرى أو مؤثرة كمستند أمان لحماية الطائف، على الرغم من أهمية هذا البيان. لا سيما أن الوقائع على الأرض، ومنذ وصول عون إلى رئاسة الجمهورية وكل المسار السياسي المتبّع، كان الطائف هو المستهدف ولا يزال، بالنظر إلى الصراع على تفسير الدستور وصولاً إلى كلام رئيس الجمهورية عن ضرورة تعديل النظام الذي لا يُحكم بثلاثة رؤوس.

يأتي الكلام السعودي حول الطائف كردّ على كل هذه المواقف وعلى ما يُحاك في بعض الكواليس الداخلية والديبلوماسية، لعقد مؤتمر حواري لبناني يبحث في تعديل الدستور وتغيير النظام في إحدى العواصم الأوروبية. 


المصدر : المدن

شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك